لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا
أرسى الملك حمورابي منذ ما يقارب الأربعة آلاف سنة، إحدى أولى مجموعات القوانين، في بلاد الرافدين. وشكل ما يعرف بشريعة حمورابي، نوعاً من الكتابات الأقدم في التاريخ القابلة للترجمة، بما تضمنته من 282 قانوناً، يتعلق أبرزها بمبدأ العقوبات.
اعتبر حمورابي، حاكماً عادلاً اهتم برفاه شعبه، فوسع مساحة حكمه، واستصدر الأوامر ببناء مصارف المياه لتحسين الإنتاجية الزراعية، وإحاطة المدن بالأسوار. كما أبدى اهتماماً بتجديد المعابد والأماكن المقدسة.
حمورابي، يعتبر وفق معايير اليوم حكيما، وكان يظن نفسه بعيداً عن استغلال السلطة و«راعياً» لشعبه. وعلى الرغم من أن البابليين احتفظوا بالعبيد، فقد كان هؤلاء يتمتعون بالحقوق. وكان بإمكانهم الاقتران بنساء من مختلف الطبقات، والبدء بعمل خاص، كما شراء حريتهم، وكانوا محميين ضد سوء المعاملة. ويبدو للوهلة الأولى، أن ليس هناك الكثير لنتعلمه من حمورابي، ولماذا عسانا نزعج أنفسنا بالتعلم من البابليين القدامى؟ ألم يكونوا في نهاية المطاف مجرد مزارعين؟.
لكن يبدو أننا لسنا عديمي الاهتمام بقدر ما نبدو، إذ إن معتقداتنا الحديثة، لا تنفصل عن تلك التي سادت في زمن حمورابي، بل تشكل استمراراً لها. وليست المبادئ القانونية الأولى، سوى أسلاف تلك التي نؤمن بها اليوم.
وسواء كانت الدولة تخضع لحكم ديمقراطي أو أي نوع آخر، فإنها تنطوي في أبرز مفاتيح النظام القانوني الفاعل، على زيادة قدرة أي كان على فهم القوانين.
وتجسّد الأجزاء المتعلقة بالعمارة في شريعة حمورابي مفهوماً هاماً: هوامش السلامة. خلافاً للبنائين ومهندسي العمارة اليوم، الذين لا يقيمون وزناً كبيراً لمثل تلك الأمور، لإدراكهم أن أقصى ما سيواجهون، يتلخص بدفع غرامة وحسب. وقد رأينا ما حدث في إعصار كاترينا، حيث قتل قرابة 1600 شخص من الفيضانات العائدة بجانب منها إلى سوء التصاميم في أنظمة الحماية من الأعاصير في نيو أورلينز. وقد أظهرت الدراسات اللاحقة، أن جدران الفيضانات والسدود والمضخات والبوابات، كانت سيئة التصميم والصيانة، ما ساهم في ارتفاع معدلات الضحايا، ومع ذلك لم يتم إلقاء اللوم على أحد.
لا تحفز الأنظمة المالية الحالية، الناس على خلق هوامش واسعة للسلامة، بل إنها خلافاً لذلك، تشجع على خوض المغامرات الخطرة.
وأشار الأكاديمي والباحث، نسيم طالب، إلى شريعة حمورابي، بوصفها سبيلاً يجنب المصرفيين تهديد مصالح الشعب. وطرح حلاً يقول بوقف منح المكافآت للسلوكيات الخطرة للأشخاص الذين لن يدفعوا بأنفسهم ثمن المحصلات السيئة. ولا تنطوي المسألة برأي طالب على الشكوى المعتادة من سوء توزيع الدخل أو دفع أجر زائد، ويرى في المكافآت حوافز متباينة، تكافئ المخاطر ولا تعاقب الأخطاء اللاحقة المسببة «لتراكم المخاطر المخفيّة في النظام المالي، وتحولها إلى باعث على حدوث الكارثة».
تتسم بعض مجالات العمل بنظام صارم من المحفزات والمثبطات الرسمية وغير الرسمية، فالأطباء يحصلون على علاوات واحترام عند القيام بواجبهم جيداً، ويتعرضون لعقوبات شديدة عند الممارسة الطبية الخاطئة. وينطبق الأمر عينه على الجيش والأمن.
لم يولِ حمورابي ومستشاروه اهتماماً كبيراً بتعقيدات القوانين والمصطلحات الحقوقية، بل أرادوا للشريعة أن تكون منتجةً ومفهومة من الجميع. وقد تفطّنوا لكيفية عمل الحوافز، وهو درس قد ينفعنا تعلمه اليوم.
وتفسّر الشريعة، فعالية استخدام حب البقاء على أنها حافز. فحين يغيب حافز حماية أنفسنا، نصبح أكثر عرضة للمخاطرة بسلامة الآخرين. وتعطي الحوافز نتائج عكسية، حين لا توجد عواقب سلبية بالنسبة للذين يستغلونها. فهِم البابليون قبل أربعة آلاف سنة، قوة الحوافز، لكننا نسينا، على ما يبدو، عيوب الطبيعة البشرية التي تجعل من الصعب مقاومة الإغراءات.
1792
أصبح حمورابي ملكاً لبابل عام 1792 ق.م، واحتفظ بالعرش لـ 43 عاماً، ووسع في زمن الدول المدينة، حدود مملكته المتواضعة، عبر اجتياح عدد من الدول المجاورة. ولما شعر بالاكتفاء بحجم المساحة الخاضعة له، شرع في تثبيت دعائم سلطة وحكم الشعب.
تضمنت شريعة حمورابي، قوانين البناء الأقدم المعروفة، والمصممة لتوائم بين حوافز المعماري والمقيم، وتضمن إشادة البنائين لمساكن آمنة.
229. إذا شيّد البنّاء بيتاً ولم يجعل بناءه صلباً، وانهار المسكن الذي بناه متسبباً بموت المالك، فينبغي الحكم على المعماري بالموت.
230. وإذا تسبب الانهيار بموت ابن مالك المنزل، فيحكم على ابن المعماري بالموت.
231. وإذا تسبب بموت العبد الذي يملكه مالك المنزل، فعلى المعماري إعطاءه عبداً ذا قيمة موازية.
232. وإذا تهدّم المنزل، فلا بدّ من إعادة بناء كل ما تهدم، ولأنه لم يشيّد المنزل على أساس متين فانهار، ينبغي على المعماري إعادة البناء المتهدم على نفقته الخاصة.
233. إذا شيّد البنّاء بيتاً على نحو لم تتوفر فيه الشروط المطلوبة، وانهار جدار، فيتعين على البنّاء تدعيم الجدار على نفقته الخاصة.
عدالة تطبيقية
تصدعات الأنظمة المالية الحديثة تقول بإمكانية التعلم من بساطة شريعة حمورابي، التي عُنيت بالعدالة التطبيقية أكثر من المبادئ المهيبة. ثلاثة مفاهيم مهمة تجلت في قانون حمورابي وارتبطت بالتبادلية والمحاسبة والحوافز.
لا نملك أية أرقام تدلّنا على عدد المرات التي سقطت فيها المنازل قبل وبعد بدء العمل بقانون حمورابي، كما ليست لدينا أدنى فكرة عن عدد الأشخاص الذين حكم عليهم بالموت بسبب عدم الالتزام بقوانين حمورابي الخاصة بالعمارة.
إلا أننا ندرك أن غريزة حب البقاء قوية، وتشكل أساس غالبية سلوكياتنا. وإن رغبة تفادي الموت، تشكل الحافز الأقوى لدينا. وإذا افترضنا أن الناس كانوا يشعرون ويفكرون بالطريقة ذاتها قبل 4000 عام، فيسعنا أن نخمّن تأثير تلك القوانين.
«حمورابي».. القانون الأفضل
حين تتراصف حوافز الجميع بالطرق الإيجابية والسلبية، يولد نظام يهتم بذاته. وقد وصف نسيم طالب المادة 229 من شريعة حمورابي بأنها «قانون إدارة المخاطر الأفضل على الإطلاق
صفحة متخصصة تصدر عن قسم الترجمة








