الغناء لا يعتمد على الحبال الصوتية فقط، بل يرتبط بجسد وروح المغني، فالصوت المؤثر يُجمع في عمق البطن، ليُدفع عبر ارتجاج أوتار الحنجرة مع احتباس ودفق لهواء الرئتين، ومناجاة أخيرة من اللسان والشفاه قبل انطلاقته. وفيهم تتجلى روح الفنان في الغناء، عبر تحكم إحساسه بمفاتيح كل جزء من تلك المراحل ليندفع الصوت بين قوة ولين وهمس وأنين.

كوكب الشرق

وأبرز مثال على براعة الغناء التي تتجلى في روح الفنان وثقافته، كوكب الشرق أم كلثوم «1898-1975»، التي تعتبر ظاهرة فريدة في الوطن العربي ليس لحنجرتها الذهبية وقدرتها على تأدية كل الطبقات الصوتية فقط، بل لخصوصية غنائها المحمل بأدق المشاعر ورهافة الإحساس الذي يحلق بوجدان المستمعين إلى عوالم تطرب لها الروح وتصفو وتتجلى.

العندليب الأسمر

وإن جمعت أم كلثوم بين قوة ورخامة وسعة الصوت، فإن عبدالحليم حافظ «1929-1977»، أو العندليب الأسمر يتفرد بزخم وغنى مشاعره الداخلية وقدرته على الغناء بطبقة منخفضة قريبة من أجواء البوح بين الأصدقاء والمقربين جداً. وهو بعكس الجيل الجديد من المغنين، لا يتجمل بصورته بل يفتح روحه ويناجي مستمعه.

سفيرة النجوم

كذلك الأمر مع سفيرة النجوم فيروز التي لم تستطع أية مطربة صاعدة من جيل فيروز وحتى اليوم أن تقترب أكثر من نصف المسافة التي تفصلها عن مستوى غناء فيروز المؤثر، مهما حمل صوتها من مزايا تفتقر إليها حنجرة فيروز التي تتجلى روعتها، في رُقي وشفافية إحساسها الذي يترجم نوتات اللحن التي تنساب إلى فؤاد المستمع بعفوية وعذوبة.

وبالوصول إلى بلدان الخليج تحملنا مشاعر الشجن إلى المطرب الكويتي عبدالكريم عبدالقادر، الذي يعتبر صوته من فئة الأصوات الكلاسيكية التي لا يغيبها الزمن. ويأخذ عبدالكريم بغنائه المستمع معه إلى أعماق أعماقه لتتأرجح أحاسيسه بين نغمات اللحن.

ومن الشيق أن يقرأ المستمع تعابير مشاعره وملامح وجهه لدى استماعه إلى كل من هؤلاء المطربين أو غيرهم، ممن يتركون أثراً عميقاً في نفسه، ليدرك اختلاف تأثير كل منهم عليه فمنهم من يدفعه إلى الدندنة الخفيفة وأرجحة الرأس، ومنهم من يجعل العينين تلتمعان بماء الدمع، وآخرون يحلقون به ليشرد عن عالمه ويغيب بعيداً.