أن تتمكن منك الموهبة فارضةً نفسها عليك فرضاً، لتتحول على يديها إلى حالة خاصة لا تشبه غيرها، وأن تُحلِّق في عوالم الإبداع دون قيود، متمرداً على الأبواب المغلقة، وتاركاً الفرصة لموهبتك لتأخذك حيث تشاء، فأنت - بلا شك - مبدع حتى النخاع. هذه باختصار حكاية الموسيقار اليوناني العالمي ياني، الذي حطَّ على أرض الموسيقى، ليحولها إلى لغة متفردة، تناقشك بأحاسيسها العالية، وتحاكيك بدقة نغماتها ووقفاتها، وتخاطب روحك بسلاستها، لتخلق حالة من الإبهار الذي لا ينطفئ للحظة حتى بعد توقفه عن العزف.
منذ نعومة أظفاره، تسللت أصابعه إلى آلة البيانو، ليعزف على مفاتيحها ألحاناً لفتت الأنظار إليه، ولأن الموهبة أكبر من أن تحدها أي حدود، فقد رفض أخذ أي دروس في العزف، ليثقف نفسه بنفسه، ويصبح من أشهر عازفي البيانو رغم عدم تلقيه أي تدريبات تمكنه من قراءة النوتة الموسيقية.
جوائز
موسيقاه مملوءة بالأمل، معجونة بالتسامح، تنهمر حباً وتفاؤلاً وتسامحاً كالمطر، وإبداعاته وصلت للعالم حتى استحق الترشيح لجائزة غرامي أكثر من مرة، وأصبح صاحب ألبومات ذهبية وبلاتينية تحقق أعلى نسب مبيعات حول العالم. وببراعة بالغة، يتنقل ياني في موسيقاه مبحراً بمجاديف البيانو بين الإثارة والتشويق، ليلهب جمهوره الذي يتفاعل معه في حفلاته بشكل لافت وملحوظ، ويحط بهم بعد ذلك على شاطئ الهدوء والسلام، مؤكداً بذلك على قدرة الموسيقي المبدع على أخذ جمهوره حيثما أراد.
ابتكار وإبهار
وللموسيقار ياني مع الموسيقى حكاية بدأت عندما ترك بلده عام 1972 ليلتحق بجامعة مينوسوتا الأميركية لدراسة علم النفس، وشارك هناك مع فرقة روك تدعى كاميلون، وانطلق نحو مرحلة جديدة من الإبداع والتعلم والابتكار، فبدأ بتطوير أسلوبه الموسيقي من خلال استخدام البيانو والأورغ، وبعد تخرجه من الجامعة عام 1979، قرر منح الموسيقى كل وقته واهتمامه، واتجه بكل إرادته ومشاعره نحوها، ليؤلف أعمالاً كاملة دون الاعتماد على أي نوتة موسيقية، بجودة عالية وحس إبداعي متميز، لينجح خلال مسيرته الفنية في إبهار العالم بإنتاجه وابداعاته، مؤكداً بذلك أن الموهبة والشغف قادران على تحقيق المستحيل.
أول ألبوم
روائع ياني بدأت تتهادى على الساحة في عام 1980، بإصداره لألبومه الأول «متفائل» لتنهال بعده الأعمال الناجحة واحداً تلو الآخر. ومن أبرز الألبومات التي أحدثت أصداء واسعة «لو استطعت إخبارك» الذي أصدره بعد عامين من الانقطاع، و«إجلال» و«العرقية» الذي حارب من خلاله العنصرية، وطالب بالسلام وبعالم واحد يحتضن الجميع، وكانت مقطوعاته دائماً ما تنبض بنغمات وأصوات لا تعبر عنه وحده، بل كانت لسان ثقافات شعوب العالم أجمع، وهو ما وسَّع قاعدته الجماهيرية، ليكون له على كل أرضٍ معجب ومُستمِع. وامتازت ألبوماته بتنوعها واختلاف أنماط موسيقاها، وهو ما جعل العديد من ثقافات شعوب العالم والأنماط الموسيقية ممثلة في أعماله.
إنجازات
ومن إنجاز إلى آخر، كان يتنقل ياني بإبداعاته، ليحصل في 6 مايو 2004 على درجة الدكتوراه الفخرية في الآداب الإنسانية من جامعة مينوسوتا. ولثقته الكبيرة في فنه، وقدرته على الإبداع في جميع الظروف، فقد أصدر ياني عام 2006، ألبومه الجديد «الكونشيرتو»، الذي قام بتسجيله وتصويره على الهواء مباشرة في حفلة الافتتاح في مدينة لاس فيجاس، مستخدمًا أحدث تقنيات التصوير والتسجيل الصوتي، وهو ما يعجز فنانون كثيرون عن فعله. إصرار ياني على تحقيق أحلامه، وتوصيل موسيقاه للعالم، جعلاه في نظر الكثيرين أيقونة فن وإبداع، ومن أقواله الشهيرة «الموسيقى لغة صريحة بشكل لا يصدق، فهي تتضمن لغة ومنطقاً وتخاطب روحك بشكل مباشر».
