الفنون البصرية بالمجمل بمثابة «قوة إنسانية»، تمد جسوراً للتواصل بين الحضارات والتعرّف على تاريخها وثقافاتها عبر القارات. وتتمثل هذه القوة في الأعمال الفنية التاريخية والحديثة والمعاصرة، التي تسافر إلى الثقافات الأخرى كسفير لحضاراتها، والتي تدفع الزوار إلى معرفة المزيد عن تاريخ الأعمال وصنّاعها وثقافتهم وزمنهم.

سوريا بتورنتو

وأبرز مثال على رسالة الفن الحضارية هذه ودورها، معرض نوعي تفاعلي ثلاثي الأقطاب جمع بين الشرق والغرب من جهة، وبين المحلية والعالمية من جهة أخرى، وتواصل وتفاعل عبر حوار حضاري جمع بين الفنان والخبير الأكاديمي والجمهور من مختلف الجنسيات والثقافات.

وتمثل هذا التفاعل عبر معرض «سوريا تاريخ حي» الذي نظمه متحف آغا خان في تورنتو بكندا .

والذي انطلق شهر أكتوبر من العام الماضي، متضمناً 48 عملاً فنيا متنوعاً، من الزجاج والحجر والخزف والمعدن والمشغولات اليدوية التي تغطي تاريخ الحضارات التي تعاقبت في سوريا، لأكثر من خمسة آلاف عام من بلاد النهرين إلى الإغريق والبيزنطية والفارسية والعثمانية والثقافات العربية.

تاريخ حي

أما أعمال المعرض المتوافرة فهي نتاج تعاون وإعارة من قبل سبع مؤسسات فنية ومجموعات خاصة، وهي لفنانين سوريين من رواد الحداثة كالراحل فاتح المدرس «1922-1999» واليأس الزيات «1935» ولطفي الرمحين 1954 وأكثم عبدالحميد «1955» ومن الشباب الفنان تمام عزام «1980».

جسر التواصل

ونظراً للإقبال الجماهيري الواسع على هذا المعرض في كندا، بادر القائمون على المتحف بتمديده شهراً إضافياً ليتزامن مع «موسم دبي الفني» ليشكل جسر تواصل مع دبي من خلال معرضين آخرين. أحدهما امتداد لمعرض كندا والذي أقيم في المركز الإسماعيلي بدبي .

وتمحور حول أعمال الفنان السوري إلياس زيات العاشق لتاريخ سوريا وحضاراتها، والذي يتجلى في مجموعة لوحاته «الطوفان» و«ما بعد الطوفان»، التي يتعرف الزائر من خلالها على أساطير ورموز من التاريخ. ولتروي كل لوحة فصلاً من قصص الحضارات، التي تعاقبت على سوريا من مدينة تدمر التي احتضنت كل الأطياف في زمن الملكة زنوبيا.

وتكتمل أضلع مثلث فن سوريا، بمد جسر تواصل حمل فنونها الحديثة من خلال معرض «سورية: نحو الضوء» الذي نظمته «مؤسسة أتاسي للفنون والثقافة» غير الربحية، بالتعاون مع «مجمع السركال الفني». ويضم المعرض 60 عملاً فنياً من مقتنيات المؤسسة.

وهي لأكثر من 40 فناناً من أطياف سوريا ما بين 1924 و2016. ويتعرف الزائر للمعرض على مختلف مراحل تطور الحركة الفنية فيها والتيارات الفنية المتنوعة في كل مرحلة وثقافتها.

ويقف الزائر مدهوشاً أمام جمالية العديد من اللوحات والمنحوتات ووسائط الإبداع الأخرى، التي لا تقل المعاصرة منها قيمة عن أوائل الرواد، بمستواها المتقدم الذي يعكس مهارة وإبداع الفنانين الشباب.

حوار الزيات

وفي أجواء تاريخ الفن السوري بغاليري كونكريت، حاور هنري كيم مدير متحف آغا خان ورئيسه التنفيذي، الفنان المخضرم إلياس زيات حول خلفية لوحاته التي استلهمها من تعمقه في تاريخ سوريا،.

ضمن مسيرته الفنية وصولاً إلى قصة الطوفان والأمل في مجموعته الثانية «ما بعد الطوفان»، ليضم المعرض 13 لوحة مع جدارية ضخمة بارتفاع ثلاثة أمتار و75 سنتمتراً.

نظرة استباقية

ورداً على تساؤل كيم في جلسة الحوار حول مجموعته الأولى إن كانت تحمل نظرة استباقية للأحداث التي تواجهها سوريا حالياً، قال الزيات: «يحمل الفنان التشكيلي بحدسه عنصر الاستباق، وما حملته أعمالي من هجرة الآباء لتدمر كان جزءاً من نظرتي التشاؤمية.

لكن القصة لم تنته فالطوفان كما درسته في تاريخ تدمر والحضارات العربية قبل ظهور الإسلام هو تجديد للعالم. وعليه فالأحصنة في لوحات مجموعتي الثانية رموز مستقبلية للحرية والانطلاق».