بعيداً عن العواصف السياسية في واشنطن، ومطلاً على عالم الفن السابع، عزف الفيلم الوثائقي القصير «كمان جو» من نيويورك على أوتار مشاهديه ألحاناً رافقتهم إلى عوالم أخرى.

وتدور أحداث العمل الذي ترشح لجائزة الأوسكار، حول قصة لقاء يعود إلى العام 2014، بين جوزيف فاينغولد التسعيني الناجي من مذبحة الهولوكوست، المستقر في الجانب الغربي الشمالي لمانهاتن، وبريانا بيريز ذات الاثني عشر ربيعاً المتحدرة من أسرة دومينيكية مهاجرة مقيمة في برونكس، أحد الأحياء النيويوركية العتيقة.

شغف العزف

وتقاطعت رغبة العطاء لدى فاينغولد مع تصلّب الأصابع العاجزة عن العزف لتؤدي إلى وصول الكمان إلى بيريز، تلميذة إحدى أفقر مدارس أميركا، والفتاة الخجولة المفعمة بشغف العزف والموسيقى. وتولدت علاقة بين الصغيرة والعجوز الهرم متجذرة بالعشق المشترك للموسيقى، وموسومة بذكريات طفولة فاينغولد السعيدة المرافقة لألحان كانت تملأ المكان كما يقول في الفيلم.

وقد أدرك فاينغولد، وهو يراقب بيريز تعزف على «كمانه» بأن الآلة المغمّسة بذكريات الهجرة في القرن العشرين تطلق العنان لحلم مهاجرة جديدة في القرن الحادي والعشرين، حلم مجبول بالصراع والمخاطرة والأمل.

دور

قد لا تغيّر آلة كمان قديم العالم، لكنها تلعب دوراً ملهماً في الفيلم، لأنها تظهر كيف ينعكس حب الخير والتوجيه المناسب نعمة مباركة على الواهب والمتلقي على حدٍّ سواء. كما يضفي الفيلم جوانب إنسانية الطابع على حكاية المهاجرين، يبرز ملامح طريق المشاركة الوجدانية في عالم يعبق بسمّ الكراهية حيال اللاجئين.

قوة الأشياء وتذكّرنا قصة «كمان جو» بقوة الأشياء المادية، في ظل افتراض العالم الغربي، ولو بشكل غير معمم أن الأشياء خامدة بطبيعتها، في تناقض مع قول عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل ماوس، الذي يشير إلى أن عدداً من الحضارات غير الغربية يؤمن بأن الأشياء يمكن أن تمتلك «روحاً» تحيك وشائج إنسانية تربط الكائنات البشرية بخيوط أبديةٍ

. تماماً كما آلة الكمان التي وسعت أفق بيريز ليس لما تدّخر من طاقة موسيقية كامنة ، بل لعمق أواصر الصداقة التي جمعتها بفاينغولد، وفتحت أبواب عالم جديد أمامها.

عالم أفضل

يحض الفيلم المشاهد على التساؤل كيف يسعه خلق لحظة تشبه لحظة «كمان جو»، من منطلق أن رحلة بناء عالم أفضل لا تختزنها دوماً فخامة المبادرات أو السياسات، وتولد بفعالية أيضاً من رحم بساطة الخطوات العملية. أما في عالم اليوم الذي يهشمه الغضب، فتحتل الروابط الاجتماعية والعلاقات المتبادلة غير المتوقعة أهميةً مضاعفة، لا سيما إذا جاءت في إطار هدايا من القلب.