بحرفية عالية تعود الموسيقار الهندي بيلادري كومار، على التنقل بأطراف أصابعه بين 19 وتراً تتمدد على ذراع آلة السيتار، التي تعود احتضانها مذ كان صغيراً، حيث تربى في أحضان عمالقة السيتار في بلده الهند. كومار الذي شب على الآلة التي يعود عمرها لأكثر من 450 عاماً، لا يعرف إن كان قد اختار بنفسه «السيتار» أم العكس، ولكنه يؤمن بأن آلة السيتار أصبحت جزءا منه.

لا يقتنع كومار بأن الإبداع الموسيقي يحتاج إلى أجواء خاصة، وذلك لأن القلب والحب هما نبعها الحقيقي، مؤكداً في حواره مع «البيان» بأن «معرفة الموسيقار ومهارته تلعبان دوراً مهماً في إيصال المقطوعة الموسيقية الى روح المستمع وقلبه»، مبيناً أن التاريخ والفشل هما أكثر ما يلهمه لإنتاج مقطوعات تلامس قلب الناس، وأن الموسيقى تمنحه الحرية الكاملة.

أجيال

لكومار طريقة خاصة في العزف على السيتار، ففي حفلاته لا يكتفي بآلة واحدة، وإنما يمدد أمامه واحدة ثانية الكترونية، يتنقل فيما بينها وفقاً لأجواء السهرة التي يرافقه فيها عادة مساعد له يقدم ايقاعات أخرى، تارة على الطبل والدف وتارة على «البزق»، بحيث يخلق ذلك تجانساً غريباً بين الآلات الموسيقية.

يقول كومار انه ولد لعائلة تعودت على التمسك بالسيتار منذ 5 أجيال واحترفت عزفه منذ عقود طويلة. ويتابع: «موسيقى آلة السيتار موجودة أصلاً في عائلتي، وأنا كبرت على أوتارها، وبدأت العزف عليها وأنا في عمر الرابعة، وكانت أولى حفلاتي وأنا في عمر السادسة، ولذلك لا أعرف في الواقع ان كنت أنا من اختار السيتار أم أن الالة هي التي اختارتني».

«البعض حسدني على ذلك»، بتلك الجملة رد كومار على سؤالنا عن شعوره في أول حفل له عندما كان صغيراً. وقال: «آنذاك لم أعزف مقطوعات على درجة عالية من الحرفية كما يتوقعها أساتذة السيتار، لكوني طفلاً لا يزال يمشي بخطواته الأولى في عالم هذه الالة الساحرة، وبرغم ذلك فقد نال ما عزفته استحسان البعض، فيما البعض الآخر «حسدني» على تلك المهارة، واعجب بها».

وأضاف: «تعلمت مع مرور الوقت أن ما أقوم به هو أكبر من مهمة عزف مقطوعات موسيقية، حيث يصب ذلك في إطار الطاقة الإيجابية، التي من خلالها أحاول لمس قلب المستمع، واقناعه بما أقدمه».

إيمان وأجواء

لا يحتاج كومار إلى أجواء معينة ليتمكن من العزف أو التأليف الموسيقي، وذلك لإيمانه بأن الموسيقى يمكن لها أن تطل في أي وقت ومن دون استئذان. وقال: «لا يوجد لدي أجواء معينة أو معادلة ما أخضع لها نفسي عند تأليف أي مقطوعة، لأنني أؤمن بأن الحب والقلب هما النبع الحقيقي للموسيقي، ولذلك يمكن لأي شخص في هذه الدنيا أن يصنع موسيقاه الخاصة».

وتابع: «اعتقد أن الأهم من تأليف المقطوعة الموسيقية هي عملية تطويرها ضمن خطوط معينة، تخدم العازف والمستمع على حد سواء، وهذا بالطبع يعتمد على مدى معرفة الموسيقار بتاريخ الموسيقى وحركتها وتطورها، إلى جانب مهارته في العزف، وكلما توغل في المعرفة والمهارة يستطيع أن يتعمق في قلب المستمع وأن يلامس روحه».

وفي الوقت الذي يستمد فيه البعض الهامهم الموسيقي من الطبيعة، يشكل التاريخ مصدر الهام كومار، الذي أوضح بأن «التاريخ من أهم المصادر التي تلهمني، وأحياناً الفشل أيضاً وذلك لكونه يشكل خطوة لإعادة النهوض مجدداً، بحثاً عن النجاح.

وهذا يتطلب العمل بشكل مستمر واكتشاف الأشياء المحيطة، ولذلك أشعر في أحيان كثيرة بأن الموسيقى تمنحني الحرية، في تقديم ما أشاء، والا اعتمد فقط على ما تحدده النوتة، وبتقديري أن ذلك صعب نوعاً ما، الا أنه يمكن التغلب عليه مع الممارسة».

أصل

يؤكد كومار أن أصل كلمة «سيتار» جاء من كلمة «سهي تار». وقال: (سهي) تعني ثلاثة، بينما (تار) تعني وترا، أي «الأوتار الثلاثة». وتابع: «مع مرور الوقت تم تطوير الالة لتصل حالياً إلى 19 وتراً، ورحلة التطوير هذه تمت فعلياً في الهند على يد أساتذة عظماء، رغم أنها لم تولد أساساً في الهند»، مبيناً أن الصوفيين هم أول من أبدعوا في العزف عليه.