«قبل رحيلهم».. صور توثق حياة وقصص 35 قبيلة في عالمنا يتهددها الاندثار

لا يقل دور فن التصوير الفوتوغرافي منذ نشأته وحتى اليوم عن بقية الفنون التي ساهمت في تغيير الرأي العام المحلي والعام، إما عبر الكشف عن العديد من الجوانب الإنسانية التي غفلت عنها المجتمعات، أو الارتقاء بجماليات الإبداع ليخلد التاريخ نتاجها في كل مكان وأوان.

وإن كنا نعرف الكثير عن تجارب المبدعين في عالم الأدب والموسيقى والتشكيل، إلا أن معرفتنا في العالم العربي حول ثقافة فن التصوير لا تزال قليلة.

وارتأت»البيان«بالتعاون مع»جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي«، تسليط الضوء في كل شهر على أحد روائع الأعمال التي اعتبرت بمثابة أيقونة في عالم التصوير الفوتوغرافي، أو إحدى تجارب المصورين الملهمة، والحكاية التي تكمن خلفها، عبر تقديم قراءة لأحد الكتب المتوافرة في مكتبة الجائزة.

وإحدى التجارب الملهمة، التي نسلط عليها الضوء هذا الشهر، هي تجربة المصور البريطاني جيمي نيلسون»1967«الاستثنائية على الصعيد الإنساني والفني، وكتابه»قبل رحيلهم«الذي تكمن أهميته إلى جانب القيمة الفنية للصور وجمالها، في التوثيق بالصورة لتاريخ ثقافات قبائل استطاعت حتى اليوم الحفاظ على ثقافتها وتقاليدها، وهي قلة قليلة باقية في وجه مدّ المدنية والعولمة.

وتجربة نيلسون الحياتية مثال لإرادة الإنسان الذي يحول معوقات الحياة إلى حوافز للنجاح، حيث أودعه والداه في إحدى المدارس الداخلية ببريطانيا حين بلغ السبع سنوات بعدما سافر معهما إلى عدد قياسي من البلدان.

خطأ

وحين بلغ نيلسون 16 عاماً أصيب بمرض عادي، إلا أن الطبيب وصف له دواء خاطئاً مما تسبب له بفقدان شعر رأسه بالكامل، بين ليلة وضحاها (نوع من أمراض الثعلبة)، ما أدى إلى انعزاله اجتماعياً. وبدأ مع بلوغه 18 عاماً البحث عن مكان لا يشعر فيه بالاختلاف.

وبلا تردد، تبع خياره الأول في التوجه إلى جبال التبت للاستقرار فيها حيث جميع سكانها من حليقي الرؤوس، آخذاً معه كاميرا صغيرة لتصوير رحلته إلى تلك البلاد التي لم تفتح أبوابها للسياحة إلا قبل عام واحد من تاريخ زيارته لها.

وسرعان ما اكتشف خلال رحلة بحثه عن نفسه، تنوع وغنى ثقافات ولغات العالم. وقرر تتبع مسار تلك الثقافات وتوثيق حياة أهلها بعدسته، لتكون حافزاً للآخرين للمزيد من الدراسة والبحث والنقاش حول قوى العولمة التي تسهم في اندثار تلك الثقافات. ويقول نيلسون في هذا المجال:»ربما، يمكننا، إن تعلمنا من بعضنا البعض، إدراك أننا واحد«.

وخلال السنوات الخمس اللاحقة حاول العمل كصحفي، مركزاً على الحرب والعنف في منطقة الشرق الأوسط وآسيا. والتقى في تلك المرحلة، بالمرأة التي أصبحت زوجته، ليستقر معها ممتهناً التصوير الفوتوغرافي كحرفة، لتأمين دخل كريم لأسرته.

ويذكر نيلسون في فصل»قصتي«في نهاية كتابه الذي نعرضه، أنه بعد تفرغه كمصور محترف لسنوات، شعر أن ما يقوم به سطحي ولا يحقق طموحاته.

ولم يتمكن من تحقيق رغبته الملحة في العودة إلى العالم واكتشاف ما تبقى من الحضارات القديمة، أسوة بالمصور إدوارد شيريف كورتيس الذي وثق لقبائل الهنود الحمر في شمال أميركا، وذلك طبعاً بسبب التكاليف الباهظة الخاصة بمثل هذه الرحلات.

منعطف

ومن ثم بدأت تأخذ حياته منعطفاً جديداً عام 2009، حين جرى تقديمه من قبل صديق له إلى مغامر يستثمر في العديد من المشاريع. إذ أتيحت له الفرصة، آنذاك، لمشاركته طموحه وتطلعاته، ولحسن الحظ، تحمس لمشروعه وموله من دون أية شروط.

ويقول نيلسون، إنه على الرغم من حرصه على تخطيط جدول رحلته قبل السفر، وتحديد المواقع الأكثر تأثيراً، كان مدركا على الدوام أنه لا بد من مواجهة غير المتوقع على مختلف الأصعدة، والدخول في مغامرات سواء خلال التوجه إلى المكان المنشود أو لدى الوصول إليه.

واستمرت سلسلة المغامرات التي خاضها في هذا الصدد، لأكثر من عامين، وكان طبيعيا أن يلقى ما يلقاه المسافر إلى أقاصي الأرض. إذ لا بد من مواجهة ظروف غير مألوفة.. كوسيلة المواصلات وغيرها.

فتارة يركب مع طيار فرنسي غير متوازن ليحمله فوق جبال كينيا وأنهارها، وتارة أخرى يجد نفسه في شوكوتكا بروسيا عالقاً مع خمسة أشخاص في خزان صغير لا تتجاوز مساحته الثمانية أمتار مربعة..ذاك في خضم عاصفة ثلجية دامت حينها ثلاثة أيام.

قصص

إن كتاب نيلسون التاريخي»قبل رحيلهم«الذي يتضمن 402 صورة، ملحمي يجمع قصص وحكايات حيوات 35 قبيلة في 29 بلداً زارها، تتوزع في أوروبا وآسيا وأفريقيا وجنوب أميركا وجنوب الأطلنطي، ليستغرق منه انجاز مشروعه ثلاث سنوات.

ويتجلى في صوره المعنية بأدق التفاصيل، سواء الخارجية أو الداخلية، ذاك التناغم العفوي والانسيابي بين الإنسان والطبيعة الذي بات حالة نادرة في الزمن المعاصر. كما تعكس صور الكتاب وجوه القائمين على حماية ثقافتهم، وأملهم في استدامة ثقافتهم عبر متابعة أجيال الغد لرسالتهم.

ويذكر نيلسون في مقدمة كتابه جانباً من المخاطر التي واجهته وفريقه خلال اجتيازهم العديد من المناطق الخطرة، كما في رحلتهم إلى الأدغال في غينيا حيث الحروب الأهلية. ويحكي عن الصعوبات في كسب ثقة بعض القبائل والتي تتطلب وقتاً وجهداً، كما حدث معه وواجه في رحلته إلى قبيلة تساتان في منغوليا.

واعتمد نيلسون التوثيق عبر فصول متنوعة في كتابه حملت اسم القبيلة والبلد الذي تعيش فيه، لينتقل بين منغوليا وناميبيا وغينيا وروسيا ونيوزيلندا ونيبال والأرجنتين وأثيوبيا والهند وكينيا وجزر فانواتو والتبت والاكوادور وباكستان واندونيسيا وتنزانيا. وكلامه عن القبيلة في محطات الكتاب، يبدأ بأصلها ثم تقاليدها..ويسرد وبعدها معتقداتها وصولا إلى حياتها اليومية وغذائها.

الكازاخ

أما رحلة الكتاب فتبدأ من منغوليا مع قبيلة»الكازاخ«القريبين من أشقائهم الكازاخستانيين، ويرجع الكازاخ سلالتهم إلى القرن الخامس. ويعتبرون في منغوليا الأقلية الأكبر عدداً.

وأبرز تقاليدهم فن الصيد بالصقور وهم على صهوة أحصنتهم ليجتازوا المناطق الصخرة الوعرة في الجبال خلال مطاردة أرنب بري أو ثعلب أو ذئب وغيرها، فهذه الحيوانات تشكل مصادر غذائهم وكسوتهم.

دروكبا

يتوقف نيلسون مجدداً مع قبيلة»دروكبا«البالغ عدد سكانها حوالي 2500 نسمة، والتي تقيم ما بين جامو وكشمير، حيث التقط نيلسون هناك صوراً بديعة تجمع بين جمال الجبال والطبيعة الباردة وأزياء القبيلة وفولكلورها..بموازاة بياض الثلج.

وتقول إحدى النظريات، كما ورد في كتابه، إن سلالة هذه القبيلة تعود إلى وحدة من جنود جيش الاكسندر تاهت خلال طريق عودتها إلى اليونان بعد هزيمتها من قبل الملك الهندي بوروس عام 326 قبل الميلاد.

وهناك نظرية أخرى أقل رومانسية تقول: إن هذه القبيلة تنحدر من القبيلة الآرية»داردس«التي انتقلت منذ قرون إلى غرب لاداكا عبر جبال هندوكوش، لتستقر في الوادي الخصيب للمنطقة.

وتشمل عاداتهم وتقاليدهم منذ قرون، الكثير مما هو مرفوض في مجتمعاتنا المدنية، كما أنهم عاشقون للموسيقى والرقص والمجوهرات والزهور، وتروي أغانيهم قصصاً من تاريخ ارتحالهم إلى الوادي.

وكالعديد من القبائل القديمة فإن ممارساتها ومعتقداتها تعود إلى ما قبل ظهور الديانات التي تعتنقها القبيلة. وهم يعتمدون في مصادر دخلهم على زراعة الفاكهة، كالتفاح والعنب..وعلى زراعة الجوز والفواكه المجففة وإنتاج الزيت من المشمش.

التبت

ونسافر مع نيلسون إلى قبائل»التبت" التي يبلغ عدد أفرادها 5.5 ملايين نسمة.. ويتميزون بشخصياتهم الجريئة والصريحة. وتقول أساطيرهم إنهم ينحدرون من أصل خرافي. بينما تقول الدراسات والأبحاث إنهم ينحدرون من قبائل رحّل من منطقة كيانغ، وبالمجمل يعود تاريخهم إلى ما قبل أربعة آلاف عام.

دروس

يقول نيلسون في كتابه: «أهم درس تعلمته، أن مفتاح التواصل مع أي نوع من البشر وتحت أي ظرف كان، هو التخلي عن التعالي والغطرسة، والتعامل معهم بسواسية، وإشعارهم أننا مثلهم ضعفاء بمشاعرنا أحياناً، وهذا التواصل يعني الثقة».

انطباعات نيلسون :

Ⅶالفارق بين تلك القبائل وبيننا، أنهم يعيشون بتوازن وتناغم مع البيئة.

Ⅶيبدأ التواصل الإنساني الحقيقي عندما تختفي فوارق الثروة والمكانة واللون والثقافة.

Ⅶأردت أن تدرك تلك القبائل، أن أسلوب حياتها أكثر نقاءً وجمالاً من حياتنا، فلا وجود بينها للفساد والجشع.

محنة

يحكي نيلسون إحدى القصص عن أصعب اللحظات التي واجهها خلال رحلته.. فيقول: «كنت في منغوليا أتوجه في الصباح لمدة ثلاثة أيام، مع ثلاثة من الكازاخ وصقورهم على أكتافهم، إلى قمة الجبل لالتقاط صورة لهم، لكن الضوء لم يكن كافياً. وفي اليوم الرابع كانت درجة الحرارة على القمة 20 تحت الصفر، ولحسن الحظ كان الضوء جميلاً.

وسرعان ما خلعت القفازات لالتقاط الصورة، ومباشرة تجلدت أصابعي والتصقت بالكاميرا. فبدأت بالبكاء وحينما التفت وجدت امرأتين كانتا قد تبعتانا، لتبادر الأولى بمسك أصابعي وتمسيدها بفروة معطفها حتى استعدت إحساسي بها، لأتمكن من التقاط بضعة صور.

«قبـل رحيلـهم»..صـور توثق حيــاة 35 قبـــــــيلة يتهددها الاندثار

* مؤلف الكتاب جيمي نيلسون اكتشف خلال رحلة بحثه عن نفسه وعبر عدسته مدى تنوع وغنى ثقافات ولغات العالم

* توثيق بأبجديات فوتوغرافية جاذبة يبدأ بأصل القبيلة، ثم تقاليدها فمعتقداتها وحياتها اليومية وغذائها

* تجربة صاحب العمل مثال لإرادة الإنسان الذي يحول معوقات الحياة إلى حوافز للنجاح

*  صورة تسرد حكايات وحيوات 35 قبيلة في 29 بلداً تتوزع في أوروبا وآسيا وأفريقيا وجنوب أميركا

* تناغم عفوي وانسيابي في نسيج تفاصيل الصور يوحد بين الإنسان والطبيعة

* صور تقرأ عميقاً في وجوه وإرادة أشخاص يصرون على حماية ثقافتهم ومنع اندراسها أمام العولمة

 

تعليقات

تعليقات