في الركن البعيد الهادئ، غالباً ما تجد مبدعين حقيقيين، انشغلوا بموهبتهم وشغفهم وأهملوا الأضواء، مثل هؤلاء تمتلئ خزائنهم على آخرها بروائع فنية ذات قيمة عالية، فَجُلّ تركيزهم على ما تصنعه أيديهم من إبداعات.

هذا هو حال الفنان والعازف والمؤلف الموسيقي العراقي خالد محمد علي، الذي عزف على «أوتار حائرة» فجذب «العيون الشاردة»، ورحل مع «الأغاني العراقية» في «ليلة موصلية» دافئة، ليقف في «محطات عراقية» ناقلاً «همس الأوتار» بكل براعة.

«البيان» تواصلت مع خالد محمد علي، لتستقي بعضاً من نغمات موسيقاه، وتُبحر معه في هموم يعانيها هو وغيره من موسيقيين، أثروا أرشيف الفن بإبداعاتهم، ليؤكد أن الموسيقي الحقيقي يعاني عدم الدعم، وتخلي شركات الإنتاج عنه، ومطالباً بمعاهد وأكاديميات موسيقية، تثري ثقافة الجمهور.

عبَّر خالد محمد علي عن استيائه من افتقار الأجيال الجديدة للذائقة الموسيقية، وقال: ليس هناك اهتمام في هذا المجال لا في البيوت ولا المدارس، التي تفتقد المناهج المتخصصة، وفي الإمارات التي قطعت أشواطاً كبيرة في كل المجالات، أرى أنه من الضروري أن يتم التركيز على الموسيقى من خلال إنشاء معاهد وأكاديميات في كل إمارة.

خلف الأضواء

وأشار إلى أن كثير من الموسيقيين البارعين لا يجيدون لغة الإعلام ولا يعرفون طريقه، ما يجعلهم بعيدين عن الأضواء. وقال: فنانون كثر لا يعرفون كيف يسوقون لأنفسهم وأنا واحد منهم، وأعترف أني لا أجيد لغة الإعلام، إلا أنني في المقابل أعطي كل ما أمتلك من موهبة وخبرة لفني.

وذكر أن سوق الألبومات الموسيقية يعاني الكساد، وقال: ليس هناك مشترٍ لألبومات الموسيقى، فنحن نجتهد ونصرف على ألبوماتنا من جيوبنا، وفي المقابل نعاني تجاهل شركات الإنتاج لها، ورفضها للتكفل بها، ليتحول الأمر إلى خسارة، وهو ما دعاني للتوقف عن إنتاج الألبومات، والاحتفاظ بموسيقاي لنفسي، وخصوصاً بعد آخر ألبومين لي، اللذين كلفاني مبلغاً كبيراً، ولم تلتفت لهما شركات الإنتاج.

حفظ الحقوق

وأكد خالد محمد علي أن حفظ حقوق الموسيقي أمر مهم، مشيراً إلى أنه تعرض لسرقة كاسيت قام بإنتاجه عام 1994، وقال: فوجئتُ بسرقة الكاسيت من العراق وبيعه في دولة أخرى، وبتوقيعٍ مزور على أنه توقيعي، وحين سألت الشركة الموزعة أكدت لي شراءه من الفنان نفسه، وبالنظر في الأوراق اكتشفنا أنها مزورة، وللأسف، ضاعت حقوقي.

خالد بدأ بالعزف على العود ثم اتجه من بعده للكمان، وقال: وجدت الكمان أكثر عاطفة وإحساساً وشجناً من العود، ورغم ذلك أعزف على الآلتين بنفس المستوى والشغف.

تأليف موسيقي

وتحدث عن التأليف الموسيقي، لافتاً إلى أن صاحبه يجب أن يكون موهوباً، وأن يدعم موهبته بالدراسة. وقال: للتأليف الموسيقي قواعد وامتدادات وأفرع، ولإتقانه يجب على صاحبه معرفة قواعد التأليف وقوالبه وتفاصيل أخرى كثيرة لا يمكن الإلمام بها إلا عن طريق الدراسة الأكاديمية.

وعزف خالد محمد علي مع معظم الفنانين العراقيين، لافتاً إلى أن العزف مع فرقة موسيقية ترافق المطرب أو من دونه، لا تمنح العازف حقه، الذي يمنحه إياه العزف المنفرد، وقال: العزف المنفرد يظهر إمكانات العازف وتقنيته، وهو ما يستهويني أكثر من غيره.

حلم

ولطالما كان العزف مع الفنانين وديع الصافي ومحمد عبدالوهاب، حلماً راود خالد محمد علي، مؤكداً أن التعامل مع هذه الأسماء ملهم إلى أبعد الحدود.

ومنذ قدومه إلى الدولة قبل 14 عاماً، بدأ خالد بتأسيس مركز لتعليم الموسيقى، وكان المشرف عليه، وعمل جاداً بهدف التوسع فيه وتحويله إلى معهد حكومي، إلا أن الحظ لم يحالفه في تحقيق حلمه، ليتجه بعد ذلك لمشروعاته الفنية الخاصة.

تثقيف

أكد خالد محمد علي أن الحاجة للثقافة الموسيقية ضرورة مُلحة، لافتاً إلى أن المستمتع بحاجة للتركيز في اختياراته، وللارتقاء بذائقته، وطالب الموسيقي بالتعلم بشكل صحيح خطوة بخطوة، لتكون موهبته في أمان، ولا تتوقف عند حد معين.