برؤية جديدة للفن الحروفي، يعود خالد الساعي الخطاط والفنان التشكيلي السوري المقيم في الإمارات إلى غاليري «مجلس» الكائن في حي الفهيدي التاريخي، لينشر30 لوحة هي باقة معرضه الجديد «أكثر عمقاً من السطح»، المتواصلة أيامه حتى الثامن من أبريل المقبل، على جدران المكان القديم، الذي ينضح بعناصر التراث وعبق الماضي الجميل.

أكثر من ثنائية برزت بين اللوحات المعروضة، يفسر الساعي ذلك بالقول: «إن الحياة قائمة على ثنائيات: الرجل والمرأة، الليل والنهار، الحياة والموت، الفرح والحزن إلخ.. وأعتقد أن ليس هناك مفرد هناك حاجة دائماً للمثنى، أو لأن يكمل أحدنا الآخر».

ويضيف الساعي: «وفي الكلام عن الأمكنة، حضرت الإمارات، حيث يبرز الشيء المختلف والجميل في سياق المدن المعاصرة، وهذا إنجاز إنساني وبشري رائع، ينبغي الاحتفاء به».

وتجلت في الأعمال أيضاً، معالم مدن حقيقية في سوريا، وأخرى عن مدن متخيلة، وأخرى تحاول صياغة نفسها، بينما كان جوار البحر عنواناً لإحدى اللوحات، حيث بحث الناس عن التأمل والطاقة الإيجابية.

تأويلات

اختار خالد الساعي المكان للمرة الثالثة، بعد معرضين في رحابه خلال العامين 2004 و2008، لأنه يحتفظ بذكريات جميلة في مسيرته الفنية، ولكونه بيتاً إماراتياً قديماً يتسم بقيمة تاريخية، يقترب من روح أعماله الشرقية أكثر من صالات العروض الحديثة، حيث الجدران كلها من مواد حية وطبيعية، بينما التاريخ وفن العمارة يمنحان المعرض فضاء روحياً يتكامل مع دلالات فن الخط العربي.

وفي يوم الافتتاح، الذي استمر من الصباح حتى المساء، تقاطر محبو الفن إلى باحة «المجلس»، ليشهدوا حدثاً تقصّد صاحبه أن تتناغم فيه الفنون، حروفاً تعانق الألوان والوجوه والأمكنة على اللوحات وتحت سطوحها، وموسيقى عازف القانون العتيق، وصوت المنشد الذي صدح بالموشحات والقصائد الصوفية. «أكثر عمقاً من السطح»، هل هو البحث عما وراء اللوحة؟ يقول خالد: «هناك تأويلات مختلفة ربما تقال، وكما هو معلوم بأن العمل الخطي هو عمل على السطح وذو بعد واحد.

أما عندي فإنه اتخذ الأبعاد الثلاثية وأكثر. لهذا كان حضور الموسيقى والإنشاد إلى جانب بعد الزمن وبعد المساحة الصوتية، وهو بعد جديد ومختلف للخط المتعارف عليه. أي عمل من أعمالي تراه ثلاثي الأبعاد، ودخل عليه البعد الرابع الأدبي والموسيقي.

فاللوحة الخطية تتضمن نصاً معيناً، وهذا البعد يقرب الآخرين من فهمها. ومن ناحية أخرى، يكون السطح لوناً أو لونين، لكنني عملت على اللوحة بمعاييرها الفضاء واللون والبناء والملمس وإحساس الهواء والحركة والضوء، وهذا أمر لم يكن موجوداً في العمل الحروفي مطلقاً».

ويركز خالد الساعي على خط الثلث بشكل أساسي، لأنه قوي جداً، ويمتلك حسب رأيه، الليونة والقوة والخفة والجزالة، وبعده على الديواني الجلي، ويشكّل الحرف لديه قيمة بصرية تشكيلية تجريدية، ولغة تعبير رحبة، وفي موازاة ذلك، يحيّد اللغة والنص المكتوب، ويتجه صوب البعد الدلالي والرمزي، وهذا ما يشكل نقطة قوة في بحثه الفني، ويتيح له استقبال أي محرض وتحويله إلى لغة بصرية، لذا نلاحظ أن مجمل أعماله تنطلق من شخصية الحرف التقليدية، ولكنها تذهب بها بعيداً، إذ يعمد على تحليل مكونات الحرف وبنيته وإعادة بنائه، وفق منظومات مبتكرة.

حوار

يقول الساعي عن الورشة الحية التي نفذ فيها أعمالاً بمرافقة الموسيقى والإنشاد: «الكلمة أو اللغة المكتوبة أو المسموعة أو المشغولة بشكل مجرد كالموسيقى هي إحدى تجليات الفن، وعندما تسمع اللغة وهي في حالة الغناء، وترافقها الموسيقى الشرقية تحس بجماليات المعنى».

في هذا السياق، استلهم الفنان النص الشعري، والطبيعة كما في جداريته في متحف بون بألمانيا، بينما اتجه نحو تحويل الموسيقى إلى منتج بصري، كما في أعماله عن الجاز والبلوز والموسيقى الشرقية، وهذا دفعه إلى فنون الأداء، فأقام حفلات تجلى فيها الحوار السمعي- البصري، حيث التفاعل الآني مع موسيقى العود.

وهنا تظهر بقوة وحدة الفنون الإسلامية، التي تتجلى في بحور الشعر ومقامات الموسيقى وأنواع الخط والزخارف والألوان، وتضيع الحدود الفاصلة بين الفنون وتتداخل فيصبح المرئي مسموعاً. ويقول :«كأن عملي الخطي هو المادة البصرية، وعملي الموسيقي هو المادة التجريدية المصاحبة والعمل الغنائي هو الذي يوصل اللغة كمعنى».

في هذا المعرض، تشهد مسيرة الساعي الفنية في الخط العربي والتشكيل تطوراً على أكثر من مستوى، يتمثل أهمها عبر التجريد الخالص إذ لم يعد ينتمي شكل الحرف إلى اللغة نفسها، ولم نعد نقرأ اسماً أو كلمة أو جمالاً أو حباً، باتت اللغة تتخذ منحى تجريدياً أكثر، والتعبير فيها على طاقة الحرف وإمكانيته التعبيرية أو الشكلية. أما الأمر المهم الآخر، في مسيرة الساعي فيتمثل بالصعيد البصري والتقني، عبر تقنيات «الكولاج» أو فن التلصيق.

نبذة

خالد الساعي فنان تشكيلي وحروفي، خريج دراسات عليا في الفنون الجميلة من جامعة دمشق بدرجة امتياز، حصل على العديد من الجوائز والتقدير منها: جائزة ملتقى الشارقة للحدث في الخط 2002 و 2006، وجائزة من المركز البريطاني 1998، و الجزائر 2008 وأيضاً المركز الأول بخط الديواني الجلي في جائزة البركة والمسابقة العالمية للخط في إسطنبول. وأعماله موزعة في أماكن عدة كالبيت العربي في مدريد، والمغرب وألمانيا والولايات المتحدة. وقام بالتدريس في جامعات ويللسلي وميشيغن وييل في اميركا.