شيء ما يصرخ بداخلي، موجع وعصي، عليّ فهمه وتفسيره، منذ الصباح وأنا أحوم حول نفسي، لم أكُ قد نمت إلا قليلاً، أفقت قلقةً، يبدو أن كابوساً أفزع مضجعي، لا يبدو أن هذا اليوم سيسير كما أريد، فالبدايات تحدد كل شيء هكذا دائماً أوجه بوصلتي نحو التفاؤل بالبواكير.

بعد عدة أيام سأزف إليه، وأعلم أن قرار ارتباطي به قد فتح علي أبواب جهنم التي لن توصد يوماً، فلا أحد يتفهم، أو إن صح التعبير، لا يريدون أن يضعوا الأمور في نصابها الصحيح، فماذا عليّ أن أفعل في وجه الحمم التي تصب علي منذ أن اتخذت قرار الارتباط به، وأنا وهم نعلم أنه «لقيط».

ما ذنبه، ولمَ نحن من نحكم عليه؟، ألا يكفي أنه ولد دون هوية تذكر، ودون اشتراطات تعايش مع الحياة، وانتمى لأسرة ظن أنها أهله وبيته، وسد أذنيه برصاص كيلا تخترقها أسهم الجراح.

ما ذنبه؟، ولم يكُ قد اختار هذا المصير، طفل صغير وضع بقسوة أمام باب المشفى لتلتقطه عناية الرب، ويُسخر له باب خير يدلف من خلاله لأسرة تضمه لأبنائها، فيربى بينهم أخاً، ويكبر معهم دون أن يلتفت إلى اسمه وأصله وملامحه، وحين يقرر الارتباط ويبدأ السؤال عنه، تتكشف له صورته، وينتهي به المطاف لسؤال كبير.. لماذا أنا؟.

وقفت أمام المرآة قبل أن أستعد لمثولي أمامهم، وكأني متهمة بعصيان المجتمع، وقد سمعت جلبة منذ الصباح في صالون بيتي، يبدو أنهم ما زالوا يحاولون إقناعي بالعدول عن الزواج به، مبررين ذلك بالحكم عليه بأنه لن يستطيع تكوين أسرة مستقرة، لأنه لا أصل له؟.

وقفت واجمة أمام مرآتي أحدثها بما يجول في خاطري، لم يكُ الأصل يوماً اسماً، وإنما قيمة، وليس ثمة شك يساورني في أن قيمة المرء بأخلاقه ومواقفه، وأنه شاب به كل مواصفات الرجل الذي طالما حلمت به، وقد انتمى لأسرة غاية في الأخلاق والكرم، ومعروفة بفضائلها وسمعتها الجيدة، وحاصل على شهادة جامعية، وموظف في جهة واجهة في المجتمع، فلماذا أرفضه؟، لماذا أصغي لحديثهم؟، لماذا لا أعاضده من أجل قادم يداوي به جراحاً مست روحه ووجدانه، فغالبها بشجاعة، وتمكن وتمرس على مجابهة واقعه وتحدي ظروفه، وأظنني قادرة على مواجهة حقيقته، وغبن الأفكار السلبية في المجتمع، التي تحاول صبغ واقعه بالقتامة والتشويه.

مرّ الوقت، وإذا بأختي تطرق الباب، أجبت على طَرَقاتها المترددة، بنعم سأتزوجه، وأربط روحي بقدر أظنه رحيماً، سأقابل حممهم بسيل من ود ورحمة، وأرد على فظاظة أحكامهم بالحِلم، فبعض الظروف في الحياة هي قدرنا واختبارنا، وما نحن على الوسيعة إلا في اختبار كبير، وهذه ورقتي، ولي خيار الإجابات عليها وتحديد المصير.

قبالة الباب، وجدت أختي وأبي وقد تعلقت عيونهم بي، وكأنني متلبسة بجرم، قابلتهم بابتسامتي المعتادة، وبقبلة على رأس أبي، وتقدمتهم محتضنة كف أبي وأختي إلى بهو الصالون، جلست، وإذا بأبي يبدأ مخترقاً سكون المكان، وفاكاً أصابعي المتعلقة بكفه.. بأنه غير موافق، وأنه لا يريد أن يكون هذا الزواج حاجزاً بيني وبينه للأبد، قالها بلهجة صارمة، منطلقاً من حديث (انتقوا لنطفكم، فإن العرق دساس).

ولكن، من أين أتيت يا أبي بالحكم عليه وأنت لا تعرفه؟، ليتك تبدأ من حيث تربى، من حيث وجد معدماً، من حيث تشكلت رؤاه وأفكاره ومبادئه، ابدأ من حديث (لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى)، ابدأ يا أبتاه من خير علمتنا إياه، ونحن لم نكُ نعي الحياة بعد.. أن لا فرق بين البشر، وأن الفاصل الوحيد هو الأخلاق.

... صمت أبي قليلاً وأردف قائلاً: ولكننا نعلم بُنيتي أنه «لقيط»، ولا ندري من أي صلب ورد، ولا ندري أي عرق يحمل، ولن نقبل بهذه الزيجة مهما بررتِ..

قالت أختي مقاطعة إياه: أبي، اترك لها الخيار في ظرف مثل هذا خاصة، وإننا نعرف العائلة التي تربى فيها، وقد تلمسنا منهم وممن اشتغل معهم وعايشهم فضائل أخلاقه، فلم لا؟، ولنترك لها فرصة تعيش خلالها باختيارها، وتتحمل مسؤولية القرار، ونحن متيقنون من سلامة أفكارها وقدرتها على التمييز والاختيار.

الأب: لن أسمح لها بذلك.. فما زالت صغيرة، ولا تدرك معنى أن ترتبط بـ «لقيط»، أن تعيش في خوف، تترقب أن تستعر يوماً في دواخله فكرة أنه لقيط، أن لا عائلة حقيقية له، وأنه وجد مرمياً يوماً، أنه مبتور الأصل، أن شجرة عائلته تبدأ منه وحده...

فززت قائلة: بل أدرك جيداً يا أبي ما تقول، وأعي تماماً المحطات التي قد أقع فيها، ولكنني، وكما كفل له المجتمع حق التعايش والمعايشة بيننا، فلن أحرمه أنا أو تحكم عليه أنت بأن يكون مبتوراً أبداً، لا بد من أن يكون بيننا خيّر يقف في صفه، ويتجاوز معه محنته، ويعاضده ويآخيه ويحترم إنسانيته دون الرجوع لأصله وجذوره، ولتكن جذوره أنا وأنت وأختي، ومن تربى بينهم. سأكوّن معه عائلة، ونسقي جذور شجرتنا بالرضا والقناعة ما استطعت..

لست مثالية في مطلبي بأن تبارك لي يا أبي اختياري، فقط قف معي، كما كنت دائماً أبي الذي علمني أن السعادة تعم بالمشاركة، والخير بالبدء من حيث القناعة والرضا بالقدر، دون إصدار الأحكام القاطعة والقاسية.

الأب: اعذريني وأعطني فرصة مجدداً للتفكير في الأمر، فليس من السهل علي الاقتناع بما تظنين أنه صواب، فخبرتي في الحياة توجب عليّ نصحك، وردعك إن لزم الأمر، فقط أجيبيني بماذا ستلقمين أفواه من يعرف بأنه لقيط، وأنك قبلت الزواج به.

لست مضطرة للإجابة عن التساؤلات حولي، ومن يريد أن يشاركني الحياة بفرح وإيجابية، فأهلاً وسهلاً به، ومن لا يريد، فلن أخسر من الحياة شيئاً... ولا بد أن يكون لأحدنا موقف تجاه الآخر، فالتقبل ليس فقط شعار، وإنما وعي وإدراك وتمكن.

سأبدأ بتجهيز ما يلزم للفرح، وسأنتظر خيرك يعم علينا كما عودتنا...