بدأت في التاسع من فبراير الجاري في الصالات اللبنانية، عروض الفيلم الرومانسي «اسمعي»، للمخرج اللبناني فيليب عرقتنجي، ويتمحوَر الفيلم حول الحبّ، كأحد أقوى أشكال المقاومة والبقاء على قيد الحياة، من خلال رحلة عبر عالَم الصوت وأهميّة الاستماع، إذ يتناول قصة عاطفية مؤثرة: جود شاب لطيف وهادئ، يعمل مهندس صوت، تنجذب إليه رنا، وهي ممثلة شابة صاحبة شخصية متمرّدة ونابِضَة بالحيويّة، عندما كان يعرّفها على عالم الصوت الذي يعيش فيه.
مقاومة الخوف
ويصف عرقتنجي، الفيلم بأنه «قبل كل شيء قصّة حب، وهي قصّة بسيطة عن شاب يحب شابة، ويصرّ على أن يبقى وفيّاً لها»، رغم «كل الإغراءات». ويعتبر أن «الحبّ، في مناخ أمني وسياسي واجتماعي مضطرب، كالذي يعانيه المجتمع اللبنانيّ، يشكّل أقوى أنواع المقاومة». ويقول: «إنه مقاومة للخوف والموت، وبالتالي، يشكّل فيلم عن الحبّ، فيلماً عن الأمل والحياة في مواجهة الموت».
ويتناول الفيلم أيضاً مكانة المرأة وإشكالية الوفاء في المجتمع اللبناني. ويقول عرقتنجي، إن النساء في لبنان تطورن بسرعة، ولكن مع ذلك يبقين سجينات «الواجب الاجتماعي»، المتمثل في «إيجاد رجل يرتبطن به، بهدف الاستقرار وتأسيس عائلة».
ويضيف: «يقال إن ثمة رجلاً لكل ثماني نساء، وهذا ما يجعل النساء جريئات في بحثهن. ووسط كل هذه الإغراءات، يحاول جود، رغم الاضطراب الذي يعيشه، أن يبقى وفياً لامرأة واحدة».
تجارب وتنوّع
وفي الواقع، تشكلّ مقاربة عرقتنجي الواقعية لقصّة حبّ لبنانية، وخطوة أولى على مسار أفق جديد للسينما اللبنانية، وخصوصاً أنها بعيدة من أي ابتذال، وليست مصطنَعة لهدف تجاري، بل تندرج في السياق الطبيعي والفنّي للقصة.
وقد عُرف عرقتنجي خلال مسيرته المهنيّة، بتجاربه المستمرّة، والتنوّع في أعماله، وإصراره الدائم على تجاوز الحدود التقليدية. وحَمَلَه فضوله الفطري ومثابرته على اختبار أساليب سينمائية غير مألوفة. ففيلمه الأول «البوسطة»، الذي عُرض عام 2005، وهو من النوع الكوميدي الموسيقي، قدّم للجمهور نظرة جديدة لمرحلة ما بعد الحرب، ركزت على القدرة التي يتميّز بها اللبنانيون على التكيّف والاستمرار.
وتخطّى الفيلم كل التوقّعات، وتصدّر الإيرادات على شبّابيك التذاكر، إذ حقّق رقماً قياسياً للأفلام اللبنانية، تخطى الـ 140 ألف مشاهد. في ذلك الوقت، وفيما كان قطاع السينما اللبنانيّة ما زال في طور تأسيس ذاته، قلب نجاح هذا الفيلم الموازين، وأدّى إلى انعطافة كاملة في التصوّر العام، فأعاد الثقة بالأفلام اللبنانيّة.
وعندما نشبت الحرب مجدداً في لبنان عام 2006، شعر عرقتنجي بأن من واجبه توثيق هذه المرحلة، فما كان منه إلاّ أن بادر بسرعة إلى تصوير فيلمه الروائي الثاني «تحت القصف»، واختير للمشاركة في 40 مهرجاناً، من بينها «البندقيّة» و«صندانس» ودبي، وفاز بما مجموعه 23 جائزة من كل أنحاء العالم.
وفي عام 2014، اختار عرقتنجي تجربة سينمائية جديدة، وأنجز فيلم «ميراث». وعلى خلفية تاريخ منطقة المشرق في الأعوام المئة المنصرمة، يتناول الفيلم بطريقة فكاهية وعاطفية، عدداً من المواضيع الحسّاسة، كالهجرة والذكريات، في مشهديّة تتفاعل فيها بمهارة الصور الفوتوغرافية مع مشاهد من الأرشيف ومقاطع الفيديو العائليّة.
