توارت الأعمال الإماراتية القديمة التي تنبض بعبق الماضي، أمام ضوضاء أغاني الفيديو كليب، فمن النادر اليوم أن تدير مؤشر الراديو، وتجد صوت جابر جاسم يشدو «إماراتي صباح الخير»، أو أن تمسك بالريموت كونترول فتستمع إلى موسيقى حارب حسن، فهذه الأعمال الخالدة، أصبحت ذكرى تراود الأذهان من حين لآخر، الأمر الذي دفع «البيان» إلى فتح ملف غياب الأغنية الإماراتية القديمة، التي لا يتم الاقتراب منها سوى في المهرجانات التراثية أو الندوات الثقافية.. أصابع الاتهام أشارت إلى جهات عدة، بينها وسائل الإعلام المختلفة، وغياب الثقافة الموسيقية، وانحدار المستوى الفني، فالإيقاع الغربي السريع، هو السائد في الموسيقى والغناء العربي الحديث، فالطرب فقد حلاوته شعراً ولحناً، وتحول إلى فن هجين.

الحقبة الفنية

يرى الملحن إبراهيم جمعة، أن هناك فرقاً كبيراً بين أغاني اليوم والأمس، ففي الماضي، كان يفكر الفنان كيف يطرب جمهوره، فتجد جلسات فنية، بين الملحن والمؤلف والمطرب والموزع، لكي تظهر الأغنية بشكل لائق، أما اليوم، فالمغني يفكر كيف يجعل الجمهور يتراقص على أغانيه، بغض النظر عن قيمها، فانتشار الأغاني المبتذلة وغير الصادقة، أدى إلى انعدام الذوق الفني، فأصوات الكورال، على حسب قوله، أفضل من أصوات بعض المطربين.

يتعجب جمعة من عدم إذاعة الأغاني القديمة الإماراتية، التي تتميز بكلماتها الرنانة وألحانها الجذابة، على الراديو أو التلفزيون، متسائلاً، لماذا لا يتم رصد هذه الأعمال، عبر برنامج فني يلقي الضوء على الأغاني الشعبية والفلكلورية والتراثية، لماذا لا تتناول الصحف والمجلات هذه الحقبة الفنية، مثلما تسلط الضوء على النجوم الجدد.

يقول جمعة: هناك الكثير من الأغاني والأوبريتات الغنائية التي قدمتها مع المؤلف عارف الخاجة، ولم أعد أسمعها مرة أخرى، فالأغاني، للأسف، التي لم يتم تصوريها، توارت عن الأنظار، أين أعمال جابر جاسم وعيد الفرج ومروان الخطيب، هؤلاء العمالقة الذين قدموا طرباً أصيلاً.

الجيل الماضي

يضيف جمعة: الإعلام له دور كبير في غياب الأغنية الإماراتية القديمة، فمثلاً في الكويت، لا تزال تعرض أعمال الموسيقار يوسف الدوخي وسعود الراشد وخالد الزايد، وغيرها من الأسماء الهامة، وفي مصر، الأجيال الشابة على معرفة تامة بأعمال الموسيقار سيد درويش ومحمد عبد الوهاب، وأغاني كوكب الشرق أم كلثوم، أما هنا، فالأمر يختلف، فالشاب الذي لم يتجاوز عمره 20 عاماً، لا يعرفني، وليس لديه فكرة عن أعمالي، لأنها لا تعرض، ويمكن قياس الأمر على بقية نجوم الجيل الماضي، غير المعروفين بالنسبة لجيل الشباب.

الفن التجاري

يؤكد المؤلف عبد الجليل علي السعد، طغيان الفن التجاري الذي يسعى وراء المادة، دون الاكتراث لشيء آخر، فتجد شركات الإنتاج تصرف الأموال على أصوات غير مؤهلة، يضعونها أمام الميكروفون، ويصورون لها الفيديو كليب، ويسوقونها بين الجماهير.

ويضيف: الثقافة الفنية تراجعت للوراء، فلم يعد هناك فنان يحمل أصالة جابر جاسم، صاحب الصوت الرخيم والخلق الحميد. ولم نعد نسمع أغاني محمد سهيل وحارب حسن عبر القنوات، وحتى الأقلام الصحافية لم تعد تذكر أسماءهم، ورحلتهم الطويلة، للصعود بالأغنية الإماراتية إلى الصدارة، تم نسيانهم عن تعمد، معللين بذلك أن «الجمهور عايز كده»، والجمهور في الواقع يرغب في الاستماع من جديد لذلك الفن الهادف.

ويضيف: لي صديق قدم أوركسترا في برلين، شدا خلالها العازفون بالفنون الشعبية الخليجية، ولم يسلط الإعلام الضوء عليها، في حال أن الإعلام يصنع نجوماً من أصوات تصيبك عند سماعها بالاشمئزاز، ويعرض أعمالاً غنائية لا تمت للفن الراقي بأي صلة تذكر.

الابتعاد عن الأضواء يرى الكاتب والشاعر عادل خزام، أن هناك تاريخاً هاماً للأغنية الإماراتية القديمة، يجب أن يوثق بشكل صحيح، ويرصد ما أنجزته هذه التجربة منذ صدورها، والحكايات التي رافقتها، ونقترب من حياة النجوم الكبار، أمثال حارب حسن وعلي بن روغة، والأجيال التي أتت بعدها.

مشيراً لأن هناك بعض الأعمال القديمة لا يتم عرضها بناء على طلب الفنان نفسه، بعدما قرر الاعتزال، مثل مروان الخطيب، وغيره من الأسماء التي اختارت الاعتكاف والابتعاد عن الأضواء، بالمقابل، هناك أغانٍ لا تزال تعرض، لكن حسب حاجة المؤسسات الإعلامية إليها، فالفنان الجديد، أصبح له الأولوية، والحضور الإعلامي المتسارع، يفرض نفسه على المؤسسات تقديم الجديد.

يضيف خزام: قناة دبي زمان، تعرض الكثير من الأعمال الغنائية لكبار نجوم الإمارات، كونها متخصصة في تقديم القديم، أما الإذاعات، فأتمنى أن تخصص ساعة يومياً لبث الأغاني القديمة الإماراتية، حتى تتمكن الأجيال الجديدة، من الاستمتاع بهذا الطرب الأصيل، والتعرف إلى هؤلاء العمالقة.

نافذة على الموروث

«أطالب بإنشاء متحف صوتي للأغنية المحلية»، هكذا بدأ الفنان والناقد مرعي الحليان حديثه، قائلاً: فترة الخمسينيات والستينيات، بزغ فيها أسماء لامعة، على سبيل المثال، المطربة سلمى الشارقية، التي كانت تذاع أغنياتها في ذلك الوقت على إذاعة الشارقة، ثم فجأة، لم يعد يتم عرض أعمالها، وكأنها لم تكن موجودة في عالمنا.

ويضيف: نحن نمتلك موروثاً أصيلاً، الجيل الجديد لا يعرف عنه شيئاً، فلا أعتقد أنه على دراية بالفن السامري، ذلك الإيقاع الغنائي الذي اشتهرت به منطقة الحجاز، والفن الفجري، والذي يعد من الفنون البحرية، التي تغنى في دور الفن على اليابسة وعلى سطح المراكب. يصمت قليلاً ثم يكمل حديثه قائلاً: هنا يقع اللوم على الإذاعات ومحطات التلفزيون المختلفة، حيث لا بد من إبقاء نافذة على الموروث الغنائي، فإذا أردت أن تعرف حضارة أمة، اسمع موسيقاها، لأن الأغنية تحمل هموم المجتمع وثقافته على مر الزمان.

جذور فنية

أكد الفنان مرعي الحليان، على أن ما أنتج في الماضي، لا يعني التوقف عن مواكبة الجديد، ولكن لا بد من تداوله مع الجيل الحالي، حتى يتعرف إلى جذوره الفنية، فهناك العديد من الأصوات الراسخة في الذاكرة، على حد قوله، ومنها جابر جاسم، ذلك الصوت الرائع الذي أطرب الجمهور بصوته الجميل، وعلي بن روغة، الذي تربع على عرش الأغنية الإماراتية، وغيرهما من الأصوات الخالدة.

تبث الطبول نوعاً من الحماس والفرح والانفعال الفني، وتعد مجموعة طبول «الرحماني»، الآلة الأساس في أداء معظم الفنون الشعبية الراقصة والمغناة، ومن خصائصها، احتواء جميع آلاتها على رقمتين من الجلد في نهاية فتحتي الجسم الأسطواني لهذه الآلة.

كما أن ضابط الإيقاع له إمكانية التحكم في شدة أو لين الجلد أو الرقمة، من خلال شد الحبال التي تربط الرقمتين الجلدتين، اللتين يُضرب عليهما بالعصا على أسطوانة جسم الآلة، أو الطبل الذي يحوي رقمة واحدة.

وعند مقارنة الطبول بالآلات الموسيقية الأخرى، مثل المزمار والربابة، تجدها تلعب دوراً محورياً في تلك الفنون الشعبية، وتضم عدة أحجام وأنواع، منها القصير والطويل والمفلطح، ويتم صنع محيط الطبول من الخشب أو الأسطوانات المعدنية، أما الجلود المستخدمة في صناعتها، فهي من جلود الغنم والثور.