في الوقت الذي أضاء فيه اتحاد الإمارات عام 1971 نجمة في السماء، سرعان ما تكاثرت لتصل اليوم إلى 45 نجمة، كانت الدراما الإماراتية تشعل شموعها على الأرض، فبين إعلان عقد تأسيس الاتحاد في 1971، وانطلاق عجلة الدراما المحلية، سنوات قليلة، لم تزد في عددها عن ثماني، ليكون إعلان قيام الإمارات بمثابة مطر خير على هذه الأرض.
وكانت الدراما الإماراتية رذاذاً ندياً بدأ يتساقط مع المسلسل المحلي «اشحفان القطو» (1978) من بطولة الفنان سلطان الشاعر ومحمد الجناحي ونخبة من فناني الإمارات، مبللاً قلوب الجمهور العطشى لمختلف الفنون التلفزيونية والإذاعية.

منذ ذلك الحين بدأت الدراما بتشكيل بنيتها الأساسية لتتمكن اليوم من الوقوف على قدميها غارسة إياها في تراب الوطن، طارحة على موائدها قضايا المجتمع، عبر ملامسة واقعه، وعاكسة لوجه الإمارات الحضاري والتراثي والإنساني، ومع تطور الدولة، لم تكتف فقط بإنتاج الدراما المحلية، وإنما حولت أرضها إلى استوديو مفتوح، تستفيد من فضاءاته كافة استوديوهات الانتاج العربية والعالمية.
وجه تراثي وحضاري
طوال السنوات الماضية، لم تخلع الدراما الإماراتية عباءة التراث عن كتفيها، وإنما ظلت مسكونة به، مع مراعاتها في الوقت نفسه، لطبيعة التطور الذي أصاب الدولة، والذي انعكس جلياً في مشاهدها، فهي لم تنس أوجاع أبناء المجتمع قديماً، ولم تغفل عن نهضة الوطن حديثاً، فما بين «اشحفان القطو» و«دبي لندن دبي» سنوات طويلة في المعالجة الدرامية، فعلى قدر مساهمة الأول في عكس أصالة التراث المحلي.
جاءت محاولة الثاني في إبراز وجه الدولة الحضاري، ومقارنته مع وجوه المدن العالمية الأخرى، فظل «حبة رمل» بمثابة كوميديا إماراتية اجتماعية تعيدنا إلى أيام الزمن الجميل، يرافقها في ذلك «زمن الطيبين» و«دكة الفريج» الذي يأخذنا نحو إمارات الخمسينيات، و«القياضة» بجزأيه الأول والثاني، يرسم في مخيلتنا ملامح زمن «القيظ».

بينما في «الغوص» ذاك العمل العائد إلى عام 1978، يعرفنا على قصة كفاح أهل هذه الأرض عندما كانوا يتكئون على البحر كمصدر رزق لهم، ويعرفنا على معاناتهم مع شظف العيش في «أيام الغوص».
في هذا المجال برز فنانون كثر، من بينهم جابر نغموش الذي طالما أحب التراث وأعادنا من خلال أعماله إلى أيام الماضي فرأينا إصراره على التفتيش عن أوجاع المجتمع في «طماشة»، و«حاير طاير»، العملان اللذان يعدان الأكثر نجاحاً في الدراما الاماراتية، ففيهما تشم رائحة الماضي، وتعيش بين السكك الضيقة.
منذ سبعينيات القرن الماضي، وحتى الآن، شهدت الدراما الإماراتية تطوراً ملحوظاً، وبروز وجوهاً كثيرة في التأليف والتمثيل والإخراج والانتاج مثل سلطان النيادي وأحمد الجسمي وجمال سالم ومرعي الحليان وسميرة أحمد وزريقة طارش والقائمة تطول، والذين عملوا معاً لترك إرث جميل للأجيال المقبلة.
طيلة تلك السنوات تقلبت أجواء الدراما، فخاضت أجواء الكوميديا وقدمتها بصيغ جميلة ابتعدت عن الابتذال، ولم تتخط الخطوط الحمراء، فكان لدينا «عجيب غريب» و«وديمة وحليمة» بجزأيه الأول والثاني، و«بحر الليل» وغيرها، من الأعمال التي استحضرت التراث ومنحته لمسة كوميدية خفيفة، قادرة على رسم الابتسامة على وجوه المشاهد.
الرهان على مضمون الدراما الاماراتية، لا يزال قوياً، خاصة بعد أن أطلت بمسلسل «خيانة وطن» الذي شكل ايذاناً بدخولها مرحلة جديدة، تناقش فيها قضايا المجتمع بصيغة جادة، فطرقت الدراما من خلاله أبواب السياسة، ليكشف هذا العمل عن الحقيقة.

ويوقد مشاعل الوطنية في قلوب الجميع، بعد أن أكد العمل على ضرورة عدم السكوت وغض الطرف عن التطرف والإرهاب الذي يهدد أمن الدولة، فأظهرت حلقات العمل الوجه القبيح لكل أولئك الذين يتربصون بالوطن، ما مكن العمل من احداث ضجة في الشارع الإماراتي، الذي لا يزال بانتظار الجزء الثاني منه والمقرر أن يطل في رمضان المقبل.
استوديو مفتوح
لم تكد الألفية الجديدة تبدأ، حتى تحولت الامارات كلها إلى استوديو مفتوح، حيث بدت أرض الامارات على اختلاف تشكيلاتها الطبيعية أكثر قدرة على جذب عيون الاستوديوهات العالمية والعربية للتصوير فيها، فوضع في رصيد الدولة، أعمالاً كثيرة، استطاعت أن تحلق في فضاء شباك التذاكر العالمي.
كما في أفلام «مهمة مستحيلة: بروتوكول الشبح» و«ستار تريك بويند» و«حرب النجوم» و«فاست آند فيوريوس 7» و«كونغ فو اليوغا» وغيرها من الأعمال الهندية والصينية، كما وجدت الأعمال الدرامية والسينمائية العربية موطئ قدم لها في أرض الإمارات، فلا تزال جدران استوديوهات عجمان شاهدة على مشاهد كثيرة تضمنتها الدراما العربية، وكذلك مدينة دبي للاستوديوهات، ومناطق أبوظبي المفتوحة، وجبال الفجيرة.
