خرج المشاهدون أول من أمس من «دبي أوبرا» بوسط المدينة بعد نهاية عرض المسرحية الغنائية «البؤساء» من إنتاج السير كاميرون ماكنتوش، بروح مشبعة ومتوهجة كنور القمر، لإدراكهم أنهم شهدوا عرضاً تاريخياً استثنائياً عكس ملحمة بكافة معايير الإبداع الفني، ما دفعهم إلى التصفيق بحماس أكثر من 10 دقائق وقوفاً.

وتتجلى جمالية هذا العرض العالمي الأسطوري الذي يستمر حتى 2 ديسمبر المقبل والذي حضره أكثر من 70 مليون مشاهد منذ عام 1985 وحتى اليوم، في تكامل الإبداع بروائع الموسيقى والغناء والإخراج والأداء، وقبلها السينوغرافيا التي أذهلت الحضور من الديكور والإضاءة ومشاهد الخلفية التي تتبدل مع كل مشهد، إلى دمج السينما مع الصورة والحركة، لتحقيق تفاعل درامي بين الخشبة والجمهور بشكل يفوق الوصف، والكثير الكثير من التفاصيل التي تدفع المشاهد الذي تغتسل روحه، إلى التحليق بمشاعره إلى أبعاد لم يصلها من قبل.

ارتقاء المشاعر

نتناول فيما يلي بعضاً من العوامل الفنية التي عززت تكامل وتناغم العمل ليمضي الجمهور ساعتين و40 دقيقة، من دون لحظة ملل واحدة.

ونورد فيما يلي بعض الأمثلة في مختلف محاور العمل، لنبدأ بعلاقة المغنين في الأداء الفردي وتفاعلهم مع الجوقة، الذي يصل بإحساس المستمع إلى ذروته ليبقيه على تلك القمة عمق الحوار الدرامي بين الفريق والموسيقى، اللذيّن يرتقيان بمشاعر الجمهور إلى نشوة تطرب الروح بروعة التناغم بينهما في العديد من المشاهد.

ومثال عليه المشهد الخاص بالمعركة بين الثوار والجيش، حيث يبدأ قائدهم بالغناء الفردي لينضم إليه أصدقاؤه ومن ثم سكان الحي مع تزامن تصاعد الموسيقى وهدير الجوقة حتى الذروة، كما في خاتمة السيمفونيات الشهيرة.

ملحمي بامتياز

والإخراج مع الديكور حكاية بحد ذاتها، فكل مشهد بمثابة لوحة فنية بألوان الباستيل من عهد العصور الوسطى، والتي تتشكل بالخلفية والديكور المتحرك بسلاسة مدهشة في مختلف أبعاد خشبة المسرح، إما لأبنية على ارتفاع المسرح أو بيت ريفي متداع، أو حي شعبي.

ومن المشاهد التي لا تنسى، مشهد المعركة على حاجز مرتفع يسد الطريق الذي يتمترس خلفه الثوار الشباب الذين يشتعلون غضباً وحماساً، ليحتدم وطيس المعركة بإيقاع فني وبصري وموسيقي ملحمي بامتياز.

تقنيات السينما

أما لوحات الخلفية ذات مشاهد الطبيعة أو الشاشات المتعددة والسينما، فهي تحفة فنية بامتياز لها ألوان الباستيل الترابية التي تشكل مع ألوان أزياء الممثلين لوحة بصرية متحركة في التكوين المتباين بين مختلف أبعاد الخشبة ومعها السينوغرافيا والإضاءة الدرامية التي تصل إلى أقصاها في حالة احتضار كل من الأم كوزيت والفتاة إيبونين صديقة ماريوس خلال الثورة.

كذلك البعد الرابع للمشاهد السينمائية حينما ينقذ جان فالجان حبيب ابنته الجريح ماريوس بعد المعركة، ويحمله هارباً به عبر العديد من أنفاق المجاري وغيرها، وهو يغني دعاءه لأن يبقيه الله على قيد الحياة، ويبدو للمشاهد وكأنه يجتاز بحركته آلاف الأميال مع الاقتراب المطرد لصورة النفق.

براعة

سحر الممثل والمغني الأميركي جون أوين جونز الذي يقوم بدور «جان فالجان» منذ 20 عاماً وحتى اليوم، بعذوبة صوته ونقائه الجمهور خاصة في أغنيتين بالفصل الثاني غناهما بالكامل بطبقة صوتية منخفضة، وبأداء وحس تعبيري عال مع متعة السمع لدى وصوله إلى الكلمات التي تضم الحرف الهامس هاء في النهاية.