في كل مرة تبدأ الطائرة القادمة من عاصمة الصقيع موسكو، بالهبوط فوق المدينة الوديعة، نتعارك أنا وصديقي على أن يكون رأس أحدنا ملتصقاً بشباك الطائرة، كي نرى التحف المعمارية في الأسفل. دبي التي تبدو من أعلى مثل لوحة فنية مضبوطة المقاييس..
هكذا بدا الطبيبان الروسيان فاسيليف وياستينكو حديثهما لـ«البيان»، وأضافا: «الرحلة بدأت معنا بتلبية دعوة من أحد أصدقائنا إلى حضور مؤتمر حول طب الأسنان، لمدة ثلاثة أيام، طرح خلالها النظريات وبعض النماذج والاجتهادات عن مشروعات بدأت صغيرة وكبرت مع مرور الوقت بفضل الجدية في التخطيط والجودة في التنفيذ والصبر والإرادة التي لا تضعف أمام المصاعب أو الصعوبات.
كان المشاركون من جنسيات مختلفة عربية وأجنبية، وقد شكل هذا التمازج الحضاري تزاوجاً بين الأفكار والطروحات التي ستؤدي حتماً إلى الخروج من المجالات الضيقة إلى المجالات الأرحب والأوسع.
تساؤلات
وأضاف الطبيبان: انتهى المؤتمر، لكن تساؤلاتنا لم تنته وملاحظاتنا التي رسمناها ودوناها على أوراقنا المتعبة، بقصد تفريج الهم واكتساب المعرفة، بوساطة البوصلة التي تحدد المسارات، والتي لا تعرف الانكسار، ولا التردد، ولا الحقد، ولا الضغينة ولا قلة الوفاء، ولا التهويل، ولا المبالغة في رسم الخيارات والأطر المتحركة حسب الرياح، وإنما تنصب معارفها وعلومها وخبراتها، بكل عناية وشفافية ورعاية، على مصالح البلد والناس، كل الناس بلا استثناءات.
لم نر الكسل متربعاً على عناوين الأقاويل والأحاديث، أو عبر محطات الوعود التي لا تنفد إلا في ربيع العمر، هذا إن بقي، ما رأيناه خلايا نحل قائمة لا تهدأ، وورش بناء مستمرة دون توقف، حيث لا مكان للخوف والهلع، بفضل الأمن والأمان المستقر والطمأنينة التي إليها ترتاح النفوس.
وقف الطبيبان الروسيان مندهشين من البنية التحتية، سلاسة الحياة، سيادة القانون، النموذج الكوني أو كما يسميه السياسيون «الكوزمبوليتان» الذي يحوي أكثر من 200 جنسية، يجعل دبي نموذجاً وحالة حضارية يجب دراستها تاريخياً، فهي لم تكتف بأن قفزت في عقد من الزمن، لما تقوم به عواصم أخرى في مئة عام، بل إنها أيضاً نقلت عدوى الإيجابية إلى محيطها.
أسبوع في دبي قضيناه، نحن المواطنين الروسيين، جعلنا نزيد في التساؤل لنقول: كيف لهذا البلد الذي زرناه سابقاً في العام 2000، أن ينهض كالبرق بهذه السرعة، وفي بلاد أخرى مازال البعض يقرأ ويكتب على ضوء الشموع.
لم يجد الطبيبان في ختام رحلتهما إلى المدينة سوى أن يقدما هدية رائعة لمكان أحباه، هدية ملونة مليئة بالأحاسيس والمعاني، لا يعرف المرء أيهما الأكثر إبداعاً فاسيليف أم ياستينكو، لكنه يعرف أن البعض يلقي التحية بطريقته.. الريشة كانت طريق فاسيليف وياستينكو لتحية دبي وأهلها.


