عزف على وتر حساس، وأحدث بمشاهده الصامتة الطويلة ضجةً أبى جيانفرانكو روزي إلا أن يوثقها بفيلم «نيران في البحر» الذي أصر من خلاله على أن يجعل جزيرة لامبيدوسا الإيطالية الصغيرة صورةً عن أوروبا، ويصور واقع اللاجئين المتأزم للبعض بعيون جديدة، بعيداً عن الموت والمأساة.

نقطة صراع

وتعبّر لامبيدوسا بكلام روزي «عن صورة مجازية لأوروبا، لعالمين لا يلتقيان». ويقدم «نيران في البحر» الجزيرة كنقطة صراع بين عالمين، واحد يضم ستة آلاف قاطن للجزيرة، اعتاد لآلاف السنين على العيش من صيد السمك، وعالم يضم مئات آلاف المهاجرين وغالبيتهم من شبه الصحراء الإفريقية، الذين يصلون إلى الجزيرة قبل أن يتم إرسالهم لمراكز الاحتجاز في إيطاليا.

وأثار المخرج باولو سورينتينو، الحائز على جائزة الوسكار، الجدل حين قال إنه «من المعذب وغير المثمر» لإيطاليا أن تختار فيلماً وثائقياً لا سينمائياً لإدخاله على لائحة الأفلام الأجنبية المرشحة لجائزة الأوسكار. وذلك دون أن ينفي إعجابه بالعمل ككل.

وينضم سورينتينو برأيه المعارض للفيلم إلى باقة قليلة من أصحاب الأصوات النشاز. ويعبر «نيران في البحر» مجازاً عن طريقة تعامل كل من إيطاليا وبقية أوروبا مع تدفق المهاجرين، ويثير حساسية لدى البعض. وقد أعقبت حصول الوثائقي على الجائزة الأولى في مهرجان برلين للأفلام، في فبراير الماضي، موجة اهتمام المؤسسات الرسمية، تزامناً مع إعادة صياغة وصول اللاجئين السوريين شكل الحكم في ألمانيا.

ووزع رئيس وزراء إيطاليا ماتيو رينزي نسخاً من الوثائقي على 27 من نظرائه الأوروبيين، على شكل تذكير بإمكانية الاستعانة بمساعدات الدول الأخرى في إيطاليا، التي يعمل خفر سواحلها روتينياً على إنقاذ المراكب المهترئة المحملة باللاجئين. كما عرض الفيلم أمام الحبر الأعظم للفاتيكان البابا فرنسيس والبرلمان الأوروبي.

وعلق روزي في مقابلة أجريت معه، أخيراً، في باريس حيث أطلق الفيلم: «حين أذهب لمختلف أماكن العرض يتهافت الناس علي متحمسين ويعانقوني ويسألونني: (ماذا يمكننا أن نفعل؟). إنه سؤال تصعب الإجابة عنه».

أحداث وثائقية

وترتكز أحداث الوثائقي على شخصية البطلين: صامويل بوكيلو، الصبي البالغ من العمر 14 عاماً، الذي يجول أرجاء الجزيرة مسلحاً بمقلاع بدائي، والطبيب بييترو بارتولو، الذي كان لسنوات الطبيب الوحيد في لامبيدوسا، وقد كان ملزماً بمعاينة جثث كل مهاجر لفظه البحر ومات.

وفي هذا السياق قال روزي: «كانت هناك حاجة بالنسبة إلي لتغيير وجهة النظر تلك، لأنه في كل مرة يتم تداول لامبيدوسا في الإعلام أو المحطات التلفزيونية فإن اسمها غالباً ما يرتبط بالمأساة والموت».

ونادرةً كانت المرات التي تمكن فيها روزي من الوصول إلى مراكز احتجاز المهاجرين في لامبيدوسا، إلا أن عدسة كاميرته رست حين فعل على مهاجر نيجري، وتذكر روزي الحادثة بالقول: «حين سألت أحدهم ما الذي يحدوك لعبور البحر، بحيث أنك يمكن أن تموت على الطريق ربما؟» فكان الردّ: «إنها كلمة ربما تحديداً. لأننا حيث نحن فلا بد أننا أموات، لكننا بعبورنا البحر فقد نعيش.»

عبور للحرية

لا يدور الوثائقي حول لامبيدوسا وحسب، بل حول مناطق الحدود، حيث أشار المخرج بالقول: «لا يموت هؤلاء الناس في البحر على متن القوارب، بل إن الآلاف منهم يقضون في الصحراء أثناء مسيرة العبور للحرية». وذلك في معرض حديثه عن المهاجرين الساعين للوصول إلى أميركا. وختم بالقول: «في النهاية تلك المآسي عالمية النطاق».