لم تختر المرشحة للرئاسة في الصومال فادومو دايب سلوك درب السياسة الوعر إلا لإيمانها بأن حياتها عبارة عن نداء، وأن نجاتها من موت قضى على 11 أخاً وأختاً سبقوها إلى هذه الدنيا لا بد من أنه حمل إشارة ما، حول ضرورة القيام بما يخدم الإنسانية.
وأفادت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، في تقرير نشر أخيراً، أن قرار دايب خوض غمار التحدي الرئاسي، الذي قد يشهد شغل أول امرأة لسدة الرئاسة في الصومال، أسست له مسيرة حياة مليئة بالتحديات على كل الصعد، عنوانها الترحال الدائم والعيش في خوف مستدام من الجوع والفقر والمرض والقتل، وتاجها الشهادات الجامعية والسيرة الذاتية المفعمة بالنشاطات الإنسانية.
بين العارضة والممرضة
بقامتها الممشوقة وقوامها الرشيق وقبعتها الذهبية وشالها الأزرق السماوي، وقرطيها الذهبيين الأنيقين، تبدو فادومو أصغر كثيراً من سنوات عمرها الأربع والأربعين. إطلالتها الساحرة نصبتها نجمةً على ممشى عارضات الأزياء، أما وفاة أمها فكرستها للعمل ممرضة، ورمزاً للعمل الإنساني.
وهكذا اتخذ مسار نجمها الصاعد منحى التوجه إلى المنصب الأعلى في الصومال، إيماناً منها بأن حياتها مهمة، وأن لديها واجباً أخلاقياً لإحداث التغيير.
ويعكس قرارها التنافس على الرئاسة، وفق قولها، رغبتها في تغيير ما تعتبره نظام حوكمة فاسداً، قائماً على النزعات «التي أتاحت بقاء الفاسدين».
«إنه بالمناسبة نظام يقهر النساء ويسكتهن، كما أنه نظام يمعن في كمّ أفواه الشباب.» هكذا تقول دايب، التي لا تؤمن مع ذلك بالعنف، وتعتقد بوجود حلٍّ لجماعة الشباب الصومالية الإرهابية، التي أسهمت في تدهور مجمل الأوضاع الهشة أصلاً في الصومال، وهي تقول في هذا الإطار:
«لقد شددت مراراً وتكراراً على أن استراتيجيتي تقوم على مبدأ التفاوض مع الشباب، من منطلق إيماني بالحوار السلمي. لا أؤمن بالعنف لأنه لو كان يحمل الحلّ لمشكلات الصومال، لكان سيجلب السلام، وكانت الصومال ستكون الدولة الأكثر سلاماً في العالم.».
وتعتقد بأن نجاح حركة الشباب يرتكز على نسب البطالة المستفحلة، وعدم المساواة في توزيع موارد البلاد.
وتبرر فادومو عدم إطلاقها حملاتها الانتخابية من قلب الصومال بالقول: «الانتخابات، أو كما أسميها الانتقاءات، لا تحصل في إطار نظام ديمقراطي. ولا تجري بالطرق التقليدية، على غرار كينيا مثلاً، أو أي بلد آخر حيث يتقدم الناس بطلبات الترشيح، بل ما يحصل عبارة عن عمليات حشد واصطفافات يرتشي الكبار بموجبها وتشترى موافقتهم بالمال، حيث الفساد في أعلى مستوياته.».
وسبق لدايب أن صرحت في الإعلام بدرايتها بأن حظوظ فوزها تقارب العدم، وأعربت عن إدراكها حجم الخطر والتهديدات التي تواجهها، ولا سيما بعد أن قررت، أخيراً، العودة إلى موطنها لتدعيم ركائز حملتها.
لأجلهم وأجل الصومال
وعلقت على الأمر بالقول: «أدرك تماماً حجم المخاطر. لكي يحل اليوم الموعود وتكون قادراً على الإقدام، فلا بد من أن تحارب من أجل الديمقراطية.» إلا أن توديع أولادها الأربعة الذين يعيشون معها في فنلندا، وأصغرهم في التاسعة من العمر، ليس بالأمر الهيّن على فادومو، التي قالت: «لكني أبلغتهم أني أقوم بذلك من أجلهم، من أجل جعل الصومال بلداً أكثر أمناً وازدهاراً يفتخرون به، ويتمكنون من العودة إليه.».
غير أن تحدي النهج القديم صعب على امرأة تعيش في ظل مجتمع أبوي. وأفادت في هذا الصدد بالقول: «لقد تعرضت لسيل من التهديدات منذ إعلاني الترشح، بعضها مبطّن والآخر معلن.».
ويؤكد عمق التهديدات نوع التهجمات الإلكترونية التي تلقتها من قبل عناصر جماعة الشباب المتشددة، حين نشرت عبر تويتر صورةً لها على الشاطئ خلال زيارة لها إلى الصومال في يناير الماضي.
لكنها ختمت بالقول: «أنا لست في مهمة انتحارية. لدي الكثير من الأحلام التي أرغب بتحقيقها للصومال، وهي تتطلب مني أن أكون على قيد الحياة.».
حياة
حين هربت فادومو من الصومال، وهي لا تزال في السابعة عشرة من عمرها، بالكاد كانت تعرف القراءة والكتابة لكن هوسها بالتعلم أوصلها إلى تحصيل ثلاث شهادات جامعية إحداها من هارفرد.
قد تكون مؤهلات فادومو غير ذات قيمة في بلد شكل منذ عقود ساحة قتال. لكنها تؤمن أنه مهما كانت نتيجة الاستفتاء، فإن مجرد ترشحها لمنصب الرئاسة سيشكل حافزاً للتغيير.
حصلت على وظيفة في الأمم المتحدة ، وفي ليبيريا التقت إلين جونسون سيرليف، الرئيسة الأولى للبلاد، فقالت لنفسها: «إذا كانت هي تستطيع أن تفعل ذلك في ليبيريا فلم لا أفعلها أنا في الصومال؟».
