«حين تُصبح الخُرافة مجرد تاريخ ضارب في القدم، يبرز علم الآثار بوصفه الطريق لتحدي السجل المكتوب، لاسيما أن التاريخ يُدوّنه الأقوياء، حيث يطلقون العنان لأجنداتهم الخاصة»، هذا القول للعالم شون ماكي ينطبق تماماً على كمبوديا، حيث تتكشف معالم مملكة ضائعة مدفونة أزاحت الستار عنها تقنية ليزر اعتمدها العلماء، أخيراً، لإثبات معتقد راسخ لديهم منذ القدم، يبشر ربما بوجود حضارة أنغكورية يتعدى قوامها بضعة معابد حجرية.
قلب مدني نابض
وقد أمضى علماء الآثار حياتهم المهنية بطولها وعرضها في محاولات لتحديد تلال أو منخفضات من الأرض تتيح لهم رسم خارطة ولو بأجزاء صغيرة منها لمدينة أنغكور، القلب المدني النابض لإمبراطورية الخمير، التي غطت مساحات شاسعة مما يعرف اليوم بكمبوديا وتايلاند وفيتنام ولاوس، بين عام 802 قبل الميلاد و1431.
ولم يتيسر في العصور الحديثة سوى قليل من الأدلة المادية، التي اقتصرت على مجموعة من المعابد الحجرية، وأشهرها مجمع معابد أنغكور وات، ومستوطنات منتشرة، هي كل ما تبقى من المعابد التي ابتلعتها الغابات الكثيفة.
إلا أن مطلع العام الحالي شهد تطوراً قد يغير طريقة دراسة معالم أنغكور، بعد أن تسلح العالمان الآثاريان شون ماكي وكونغ ليكسمي بجهاز نظام التموضع العالمي الذي يحتوي قاعدة بيانات مستقاة من استطلاع جوي للمنطقة. وقاد الجهاز العالمين مباشرةً إلى كتل ترابية شقت فيها الجرارات آثاراً، وبدت للرائي مجرد مساحة عادية من الأرض، بينما أكدت الصور الجوية أنه موقع مثير للاهتمام.
كسرة خزفية خضراء
وقد وقعت عينا ماكي بمجرد وصوله إلى المكان على كسرة خزفية خضراء، باشر الفريق على أثرها بالتنقيب في بقعة محدودة وتدوين الملاحظات، ويشكل كل من شون ماكي وكونغ ليكسمي جزءاً من مجمع للأساتذة، يعرف بمبادرة ليدار لعلماء آثار كمبوديا، التي تستخدم تقنية ليدار للاستشعار بالضوء عن بعد.
وقال ماكي، المخضرم في العمل الميداني على مدى 14 عام، إنه قبل توفر تقنية ليدار كانت عملية استطلاع المميزات الأثرية للأماكن تستغرق سنوات، أو حتى عقود من العمل. إلا أن المعطيات التي وفرتها الطلعات الاستشعارية الجوية المبنية على ما يقارب 40 مليار عملية قياس فردية قد أثبتت اليوم وكشف عنها للعلن.
وقال عالم الآثار داميان إيفانز الذي يقود عملية الاستطلاع:«لقد اصطدمنا حتى اليوم بعائق بالمعنى التقني، وقد حجبت كثافة الغطاء النباتي هذه الأجزاء من أنغكور وبقية المعالم الأثرية. أما تقنية ليدار فقد أتاحت لنا الرؤية من خلال الغطاء».
معالم تفصيلية
وكانت النتيجة بحسب إيفانز فهماً جديداً غير مسبوق لما بدت عليه إمبراطورية الخمير في أوج عهدها، بعد أن كشفت الخرائط بمساعدة ليدار عن معالم تفصيلية للمشهد الممتد عبر مقاطعات متعددة من كمبودبا الحديثة.
