للعراق طعم آخر في فيلم «بغداد خارج بغداد» للمخرج العراقي قاسم حول، ذاك الفيلم الذي بدا أشبه بقصيدة سينمائية، عبر عنها المخرج بحبكة رائعة، وصاغها بلغة رصينة غير تقليدية، جعلت الفيلم ينتمي إلى سينما الشاعرية، أعاد فيها ترجمة ملحمة جلجامش عبر إسقاطها على الواقع العراقي الذي عاد إليه قاسم بعد مرور 40 عاماً على خروجه من بلده، ليجد أن بغداد قد تغيرت .
ولم تعد تشبه ما في رأسه من صور، ليبدو الفيلم محاولة لإحياء الواقع الاجتماعي والثقافي لبغداد، عبر مجموعة حكايات عن الخوف والموت والفقر والغربة التي يعاني منها المثقف العراقي.
الفيلم الذي عرضته، أول من أمس، مؤسسة العويس الثقافية في دبي، جاء بمثابة تكريم للمخرج قاسم حول الذي قال في كلمته الترحيبية: إن «الثقافة في الإمارات تزدهر، ولذلك لا أخاف عليها ولا أخاف منها». وأضاف: «تركت العراق 40 عاماً، وعندما عدت إلى بغداد لم أجدها.
كما هي في أحلامي، لذلك كتبت هذا الموضوع على الورق ورسمته على الشاشة، واعتبر أن الفيلم غير تقليدي، وهو لا يعرض الحدوتة السينمائية، وفيه استدعيت جلجامش من الماضي لتعيش في الحاضر، فقد أصبت بالرعب عندما وجدت المدينة وقد فرغت من مثقفيها، بعد أن تغربوا جميعاً، ولذلك اشعر أنني كتبته بشكل غير تقليدي».
حضارة معاصرة
حكاية «بغداد خارج بغداد» تنطلق من ملحمة جلجامش، حين يموت انكيدو صديق جلجامش الذي يدرك أن الانسان فانٍ، ليبدأ البحث عن الخلود. وسرعان ما ينتقل إلى عشرينيات القرن الماضي، ونراه يعمل على نقل الناس بين ضفتي نهر دجلة بواسطة قارب شعبي بسيط، لنشهد زمن تأسيس الدولة العراقية، وبداية دخول أشكال الحضارة المعاصرة إلى حياة الناس، ومنها السينما.
كما نشهد انتعاش الثقافة وظهور شعراء ومغنين معروفين كما الجواهري والزهاوي والرصافي والسياب والمغني مسعود عمارتلي، الذين يقدمهم الفيلم من خلال حكايات ممتعة، ويصورهم وهم يعيشون الغربة في وطنهم، خوفاً من مصير مجهول ينتظرهم، بعضهم بقي في وطنه، ولكنهم يعانون من شظف العيش ويرحلون وهم في حالة العوز.
غربة المثقف
المتابع للفيلم يشعر أن المخرج ظل وفياً على الدوام إلى فكرة «غربة المثقف العراقي» والتي يمكن اسقاطها على أي واقع اخر، وقد ساعده في ذلك سلاسة الانتقال بين حكايات الفيلم، الذي بدا يشبه قصيدة سينمائية حبكت أبياتها بطريقة تشبه أبيات ملحمة جلجامش، وبالطبع يظهر الفيلم خبرة قاسم الاخراجية التي استخدم فيها سحر السينما بكل أشكالها، فاستطاع أن يقدم صورة جميلة ذات تدرجات لونية رائعة، مستفيداً من حركات الكاميرا السلسلة، طوال الفيلم.
في هذا الفيلم يمكن لك أن تقرأ تاريخ العراق، وأن تفهم معاناة مثقفيه، وفيه تلمس طبيعة السينما الواقعية التي يحترفها قاسم، ويبرزها في هذا الفيلم، الذي لم يبالغ فيه باستخدام التنقلات، محافظاً فيه على ممثليه الذين يبدو لنا أنهم تشبعوا كثيراً بما قدموه من شخصيات، فجاءت مقنعة للمشاهد.
فنان الشعب
خيّم رحيل الفنان يوسف العاني، قبل أيام، على أجواء حفل تكريم قاسم حول، الذي فضل أن يرثيه بأن طلب من الحضور الوقوف دقيقة صمت حزناً على رحيل فنان الشعب، الذي طالما تألق على خشبة أبو الفنون، حيث قال قاسم: «قبل أيام رحل عنا صديقنا يوسف العاني، تاركاً إيانا وحيدين على الخشبة».
