أن يعتريك الشغف بالتراث، لتبني له في قلبك ركناً، وفي بيتك أركاناً ومساحات، فتملأ زواياه بأغلى القطع وأندرها، وتلهث وراء أجمل ما يجود به الموروث الشعبي، فتؤسس في داخل منزلك متحفاً شخصياً، فأنت أمام قصة حبٍّ حقيقية، جذورها ثابتة وأفرعها تعانق السماء.
هذا الشغف الذي تملك المواطن جاسم حميد آل علي، دفعه لأن يؤسس متحفاً شخصياً يحتوي على أكثر من 70 ألف قطعة، وينتقي من بيته أجمل زاوية ليعلق على جدرانها ما يمتلكه من نوادر تراثية، اقتناها من جميع أنحاء العالم، ليصبح رحالة سخر نفسه من أجل عيون التراث.
«البيان» زارت جاسم آل علي في متحفه الشخصي في الشارقة، وجالت بين زواياه وممراته، لتستعيد حميمية الماضي بكل ما فيه من جمال، وتجد نفسها أمام تشكيلة، كل قطعة فيها قصة بحد ذاتها.
40 عاماً

عن هوايته التي تجاوزت الـ40 عاماً تحدث جاسم آل علي، فقال: قبل الاتحاد، كنتُ أعمل مراسلاً في قوة ساحل عمان، وأمر بالرسائل على المعسكر، وكانت أظرف الرسائل تلفت نظري بالطوابع البريدية البريطانية المطبوعة عليها، فكنت أجمعها حتى أصبح لدي مجموعة كبيرة.
وبدأت بعدها بجمع العملات، حتى انتقل شغفي للقطع القديمة، وساهم في ذلك اهتمام إمارة الشارقة بالمتاحف والموروث الشعبي، والدعم المستمر من قِبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، للمشاريع الثقافية وكل ما يرتقي بالثقافة والتراث والفنون.
ويضم متحف آل علي زاوية خاصة بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تتضمن مجموعة من الكتب التي لخصت مآثره وتجسدت فيها حكمته، إضافة إلى زاوية خاصة بإصدارات صاحب السمو حاكم الشارقة، وباقة من أجمل صوره مطبوعة على السيراميك.
«غرامافون» و«سينجر»
وبجولة في المتحف، تأخذك مجموعة من الكاميرات السينمائية والشاشات التلفزيونية إلى زمن العشرينيات والثلاثينيات، وبعضها الآخر للخمسينيات والستينيات، فتجد نفسك أمام شاشات شامخة كانت قادرة على جمع أفراد الأسرة معاً في مكان واحد، وإلى جانبها تتهادى مجموعة من الهواتف القديمة على الأرفف.
كما تتربع ماكينة خياطة قديمة «سينجر» بلونيها الأسود والذهبي، لتكون شاهداً على إبداعات أمهاتنا وجداتنا في الستينيات والسبعينيات.
وهناك في تلك الزاوية يتربع الـ«غرامافون»، وإلى جانبه مجموعة من الساعات الجدارية الأنيقة التي نصَّبت نفسها شاهداً على زمن مضى بكل ما فيه من حميمية وأصالة.
ساعات جيبية

ويمتلك جاسم آل علي أكبر مجموعة من الساعات الجيبية، وعنها قال: لدي شغف كبير بهذه الساعات، وأمتلك أكبر مجموعة ساعات على مستوى الشرق الأوسط، ولدي أكثر من 800 ساعة جلبتها من مختلف أنحاء العالم.
وتستمر جولتنا، لنمر على مطحنة القهوة، ومجموعة من الجرار القديمة التي كُتب عليه بالخط الكوفي، إلى جانب باقة من الأدوات الموسيقية، كالطنبورة والساكسفون التي أضفى وجودها على المكان مرحاً وبهجة.
وعلى ذلك الرف تتوزع مجموعة كبيرة من الأقفال القديمة، وأجهزة الحسابات والطباعة التي استخدمت في فترة الخمسينيات، بكل التفاصيل الدقيقة التي تحتويها، وتتوزع الحلي القديمة وأدوات التجميل التي كانت تتزين بها الأمهات والجدات في الماضي، وأبرزها المكاحل.
«غراشي النامليت»
وفي ذلك الرف الزجاجي المخصص للاحتفاظ بالقطع النادرة، تنتشر مجموعة من الطوابع البريدية، وبينها طوابع لإمارة الشارقة قبل الاتحاد، وفي الرف الآخر تتناثر البهجة وتملأ المكان بوجود ألعاب الأطفال القديمة، التي اتسمت بجمال ألوانها وتنوعها.
وهناك، لا بد لك من وقفة مع «غراشي النامليت»، وزجاجات المشروبات القديمة بأشكالها اللافتة والجاذبة، وصحون الطعام التي كانت تستخدم في المناسبات والأعياد وشهر رمضان.
ومع تلك الزاوية التي تناثرت عليها الدفاتر والأقلام والحقائب التي استخدمت في المدارس في فترة الستينيات، تسترجع طفولتك، وبعض معلومات مدرسية لا تكاد الذاكرة تحتفظ بها رغم مرور السنين.
والحديث عن مقتنيات متحفه الشخصي لا يتوقف، فهناك مجموعة من المصاحف النادرة، والفخاريات الإسلامية القديمة، والعملات من كافة أنحاء العالم، إضافة إلى «كبت بوطاووس» الذي ينتشر بكثرة في معظم بيوت التجار.
جولة صور
التجول بين القطع القديمة، عالم لا يفوقه سوى التجول بين الصور التي يزخر بها أرشيف جاسم آل علي، إذ تمتلئ أرفه بصور قديمة عن إمارات الدولة، فدبي تتباهى بجمالها بين الماضي والحاضر.
كما تتهادى معالم الشارقة بكل حميميتها، ومنها صورة «الرولة» في الستينيات، وحصن الشارقة القديم، و«المريحانة» التي كانت تنثر البهجة في الأعياد بين الأطفال، وهي موجودة حالياً في ساحة التراث بإمارة الشارقة، كما تتألق أبوظبي بجمالها على الصفحات التي خلدت الصورة، فجعلتها حاضرة بكل تفاصيلها.
كما تتزين جدران متحفه، بمجموعة من الصور لأبرز الحكام، وصورة قديمة لمكة المكرمة، وصور الدراجات الهوائية والسيارات القديمة.
صعوبات
وعبَّر آل علي عن أهمية ومكانة كل قطعة في قلبه، وقال: لا أفرط بأي قطعة، فهي بمثابة أبنائي وبناتي، وقد حصلت عليها من داخل وخارج الدولة، وأحرص على حضور المزادات المختلفة في الإمارات والبحرين والسعودية وغيرها لاقتناء أندر القطع.
ورغم أن متحفه أكمل ما يزيد على 6 سنوات، إلا أن جاسم لم يتمكن حتى الآن من تصنيف القطع الموجودة لديه لكثرتها وحاجتها لجهد كبير. وقال: متحفي من أكبر المتاحف الشخصية على مستوى الدولة، والحصول على القطع الأثرية مكلف، وتصنيفها أمر صعب، وأتمنى أن تتبنى جهة ما هذه المتاحف الشخصية على مستوى الدولة لتساعدنا في تقديمها بأفضل صورة، ومتحفي مشروع ثقافي مفتوح لخدمة من يريد الاستفادة منه.
ركن الطلياني
لا بد أن يستوقفك ذاك الركن الخاص الذي خصصه جاسم آل علي للاعب الكرة المعتزل عدنان الطلياني، وفيه «تي شيرت» يحمل توقيع الطلياني وتاريخ اعتزاله ، وعنه قال جاسم: عدنان الطلياني أخ وصديق دراسة، و«عيشة عمر»، تربطني به علاقة حميمة، وقد أسميت ابني على اسمه «لمعزته» الكبيرة في قلبي، ولذا خصصتُ ركناً خاصاً به وبالصور القديمة التي تجمعنا، وصوره أثناء المباريات، كرسالة حب وود مني له.
