رحلة البحث عن البرودة في فصل الصيف بحره اللافح قبل عصر النفط تاريخ غير مكتوب لمرحلة عاشتها الإمارات في ذلك الزمن حيث كانت رحلة المقيظ التقليدية مع مطلع كل صيف إلى الواحات القريبة مثل ليوا والعين وحتا والذيد ودبا وصولا إلى ساحل الفجيرة وربما أبعد من ذلك على بحر العرب هي تقريباً نفس الرحلة التي يبدأها جيل اليوم مع بداية كل صيف محلقين نحو مصايف أوروبا وجزر جنوب شرق آسيا.
ويبقى المقيظ موسماً ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ضارباً بقوة في عمق التراث ورحلة عنوانها ذكريات المشقة التي كابدها الأجداد والآباء في بيئة صعبة ملؤها الرطوبة الخانقة والشمس الحارقة على الساحل المكشوف تحت شمس الصيف الحارقة، واليوم ونحن نعيش زمن الرفاهية والمدنية الحديثة أصبح مجرد ذكر رحلة المقيظ يحرك نبض الحنين للنخيل والماء والظلال الوارفة والغاف وتتحول مع اولى نسمات الصيف الحارة إلى ذكريات عند كبار السن تداعبها حركة المحماس «أداة لتحميس القهوة» ويعبق بها فوح قهوة المجالس، فكان «المقيظ» مدرسة التراث و«السنع» تحت ظلال النخيل.
بساطة الحياة
وفي الماضي كانت الحياة بسيطة وعاش أبناء الإمارات في ظروف صعبة فلم يكن هناك مكيفات هواء تأتي بالنسيم العليل ولا كهرباء ولا ثلاجات ولا حتى ماء بارد أو فاكهة مثل التي تزرعها الإمارات في وقتنا الحالي أو تأتيها بالسفن والطائرات من دول العالم كافة.
واعتمد الإماراتيون في تلك الفترة على ما تجود به الطبيعة لسد رمق الجوع وتأقلموا بكل مهارة مع الظروف البيئية والمناخية فكان همهم يتمحور حول توفير طعامهم وتحضيره والبحث عن البرودة في الصيف والدفء في الشتاء وعليه كانت المقايظ المكان الوحيد والملجأ المفضل لهروب أهل الساحل من حرارة الصيف المشبعة بالرطوبة والتمتع بظلال النخيل والحصول على الرطب الطيب وغيره من الفاكهة اليانعة.
ويصف المواطن محمد سعيد الرميثي صيف أبوظبي قبل نصف قرن تقريبا.. قائلا: اختلفت طريقة قضاء فصل الصيف في الماضي عنه في الحاضر ففي الماضي لم يكن هناك إلا القليل جدا من الزراعة في مدينة أبوظبي وبعض أشجار النخيل المتفرقة من جهة أخرى لم يكن هناك ميناء أو مراس تستوعب السفن الكبيرة ولكن كانت مراسي صغيرة مبنية من الحجر ترسو فيها المحامل «السفن الصغيرة» وقوارب الصيد، لافتاً إلى أنه لم تكن هناك أي مرافق أو خدمات تذكر في المدينة.
ويواصل قائلاً: اعتاد الأهالي على هذه الرحلة السنوية للابتعاد عن رطوبة الجو العالية والحرارة المرتفعة وبحثاً عن ظل النخيل الذي يقيهم حر الصيف والاستمتاع بالهواء النقي والطقس المعتدل والمياه العذبة والثمار اليانعة من الفواكه والمنتجات الزراعية الأخرى كالرطب والهمبا والتين والتي يتوق إليها الأهالي شادين الرحال في درب مملوء بالمخاطر أحياناً وفي قفار موحشة يلفها الظلام أحياناً أخرى.
جسر التواصل الحضاري
ويعتبر موسم المقيظ جسراً حقيقياً للتواصل الحضاري والثقافي بين أهالي الإمارات لأنه ساعد على خلق حياة وبيئة خصبة لعلم الأنساب والخراريف والأحاديث وفن الخطابة وإلقاء الشعر كما كان موسم القيظ حارساً أميناً للتراث الشعبي ويعزز من دوره في المجتمع ففي وقت المقيظ يزداد الشعور بأهمية التراث الشعبي وضرورة تواصل الكبار والنشء مع هذا التراث.
موسم
يبقى موسم القيظ ذا بعد ثقافي واجتماعي واقتصادي كبير أثر في نمط حياة أهل الإمارات قديماً أيما تأثير، وإن غاب كله أو جزء منه في عصر طوفان الحداثة والمدنية وأصبح البحث عنه واجباً وطنياً، وإن كان مضنياً، لأن ذكرياته دفنت تحت ناطحات السحاب ولن يتمكن من البحث فيه والكتابة عنه إلا مثقف وباحث غيور على تراثه في عصر التكنولوجيا الرقمية والمدن الذكية.

