توافد مئات المهتمين بشؤون الثقافة والفن مساء الجمعة على «كازينو لبنان» لحضور افتتاح أوبرا «عنتر وعبلة» للكاتب أنطوان معلوف والمؤلف الموسيقي والمايسترو مارون الراعي، وتستعيد الأوبرا قصة «عنتر وعبلة» من بطون التاريخ العربي، وتقدمها بحلة فريدة يمتزج فيها الشعر الفصيح والحوار البليغ مع التأليف الأوركسترالي وتقنيات الأداء الأوبرالي.
«الحلم أصبح حقيقة».. بهذه الكلمات يختصر المؤلف الموسيقي مارون الراعي مشاعر 160 عازفاً ومغنياً وتقنياً لم تثنهم قسوة المشهد الأمني والسياسي الذي يعيشه لبنان، عن إنجاز أول أوبرا لبنانية باللغة العربية تستعيد قصة «عنتر وعبلة» من بطون التاريخ العربي، وتقدمها بحلة فريدة يمتزج فيها الشعر الفصيح والحوار البليغ مع التأليف الأوركسترالي وتقنيات الأداء الأوبرالي.
ففي ظل إجراءات أمنية مشددة أحاطت بمسرح «كازينو لبنان» المطل على خليج جونيه شمال بيروت، توافد مساء الجمعة مئات الأشخاص لحضور افتتاح أوبرا «عنتر وعبلة» للكاتب أنطوان معلوف والمؤلف الموسيقي والمايسترو مارون الراعي، في أمسية أعلنت الولادة الحقيقية لمؤسسة «أوبرا لبنان»، وهي أول مؤسسة من نوعها في هذا البلد الذي كان له باع طويل في المسرح الغنائي ولا سيما مع الأخوين عاصي ومنصور الرحباني.
ويأتي هذا العمل تعبيراً عن قناعة القيمين عليه بأن المشهد الفني في العالم العربي لا يكتمل «إلا بالسير في طريق المسرح الغنائي على أنواعه، ومنها الأوبرا»، كما يقول مارون الراعي في حديث لوكالة فرانس برس.
الأرض بستان ألوان
في ديكور مسرحي يحاكي الصحراء ومضارب القبائل، وملابس وتفاصيل تستعيد حياة العرب في البادية، وعلى أنغام أوركسترا غربية طعمت بإيقاعات شرقية بقيادة الراعي، تتوالى فصول حكاية عنترة بن شداد الذي عاش في القرن السادس وكان أحد أرق شعراء العرب وأشرس فرسانهم على الإطلاق، وحبيبته عبلة التي خلدتها قصائده على مدى الأزمان.
يؤدي دور عنتر المغني غسان صليبا الذي عرفه اللبنانيون خصوصا في مسرحية «صيف 840» لمنصور الرحباني أواخر الثمانينات، مجسدا نضال ذاك «العبد الأسود» للحصول على حقه في الحرية وفي أن يكون مساويا لأبناء قبيلته من دون تمييز بسبب لونه وعرق والدته الحبشية.
وإذا كان والده شداد (إبراهيم إبراهيم) لا تحركه مشاعر الأبوة للاعتراف بابنه وعتقه من العبودية، ولا ينصت لعذابات عبلة (لارا جوخدار) في الأسر، ولا لأصوات أطفال القبيلة وهم ينشدون له أن «الأرض بستان ألوان»، فإن ضرورة الاستعانة بشراسة عنتر القتالية للدفاع عن القبيلة، تجبره أخيرا على ذلك. ومع غلبة عنتر في المعركة، ينتهي الذل المخيم على قبيلته والبعد القسري عن حبيبته، وتنطوي عقلية التمييز على أساس اللون أو العرق من أذهان سادة قبيلته عبس، وتطوى أيضاً صفحة الحرب مع قبيلة طي.
مرحلة انتقالية
أوبرا «عنتر وعبلة» ثمرة عام من التأليف الموسيقي وعام من التدريب لمئة وثلاثين فناناً على المسرح، إلى جانب نحو ثلاثين خلف الكواليس، لكنها أيضا «ثمرة مناهج وضعها كبار الأساتذة وتبناها المعهد الوطني العالي للموسيقى، وهي مناهج تقوم على احترام اللفظ العربي السليم»، بحسب الراعي.
ويتحدث المؤلف الموسيقي عن أهمية هذه المناهج قائلاً «الأوبرا لم تعد فنا غربيا، إنها فن عالمي، ولكننا بحاجة إلى تطويعها لتصبح مناسبة للغة العربية وتحترم أصول نطقها، لا أن نسمع أوبرا عربية تعرض وكأنها بلغة أجنبية».
تجربة
يأمل مارون الراعي أن تشكل هذه الأوبرا، إضافة إلى الحافز على إنجاز أعمال مماثلة لأهميتها الثقافية، فاتحة للفرص أمام هؤلاء الطلاب والمتخرجين الذين غالبا ما تبقى مواهبهم حبيسة المعاهد وصفوف الدراسة، فهم "أشبه بمن يتخرج من كلية هندسة الذرة ".
ويقول الراعي "أنا مع التجريب في هذا المضمار، هناك تجارب عربية تستحق الاحترام وخصوصا في الضفة الغربية وفي الجزائر... ما قمنا به هو اختبار نترك للرأي العام أن يحكم عليه، لكن حتى لو فشلنا فلن نتوقف.
