قليلة هي الشخصيات السياسية العامة التي تثير المواقف تجاهها هذا القدر من التناقض، مثل الرئيس السوفييتي الأسبق ميخائيل غورباتشوف، فالرجل الذي تطالب شخصيات عامة بارزة في روسيا بمحاكمته في الآونة الأخيرة لدوره في انهيار الاتحاد السوفييتي..
ويدعو بعضهم لمثوله أمام المحكمة للكشف عن عمليات «الطابور الخامس» داخل روسيا، كان أيضاً وراء مفهومي «البيروسترويكا» و«الغلاسنوست»، أي إعادة البناء والشفافية، واللذين شكلا من وجهة نظر بعض شرائح المجتمع الروسي، مساهمته في التخلص من اضطهاد نظام الحكم في الاتحاد السوفييتي.
وتفيد صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، في تقرير نشرته أخيراً، بأن غورباتشوف ما زال يحظى بإعجاب كبير بين الروس، لإدخاله هذين المفهومين، وتضيف أنه هو من كان في النهاية رائداً، وإن بتردد، في مجال حرية التعبير وحرية المشاريع والحدود المفتوحة.
وقد نقلت الصحيفة، كمثال على ذلك، مجريات ما حدث خلال الاحتفال بعيد ميلاده الـ85 في مارس الماضي، عندما رفض أصحاب فندق «أوكرانيا»، وهو الفندق الذي نُظمت في أرجائه مأدبة العشاء للاحتفال بعيد ميلاده، تلقي أي مبلغ من منظمي الحفل بعد أن علموا أنه أقيم للاحتفاء بالزعيم السابق للاتحاد السوفييتي، معربين عن امتنانهم له في تحولهم إلى ملاكين كبار.
حيث أفاد ألكسي فينديكتوف، رئيس تحرير محطة إذاعة «صدى روسيا»: «قالوا لي إنه من دون غورباتشوف لانتهى بهم المطاف تجاراً صغاراً في السوق، ومجرمين يتاجرون بالبضائع المهربة»، وأنهم «الآن يملكون كل هذا بفضل غورباتشوف»! و«لن نقبل كوبيكا واحداً!»
لكن الصحيفة تشير إلى أن المجتمع الروسي على نطاق عريض يلومه على انهيار الاتحاد السوفييتي، وعلى تحولهم إلى مواطنين في بلاد من الدرجة الثانية، وإن كان بعضهم يرى أسباباً أخرى لذلك..
حيث تنقل الصحيفة عن ألكسي فينيدكتوف الصديق المقرب من غورباتشوف ورئيس تحرير محطة إذاعة «صدى روسيا» قوله: «إن المجتمع لا يحبه، فهو نقيض بوتين، إذ يعتبر بوتين الباني، وغورباتشوف المدمر». لكن غورباتشوف يرى في ذلك التصور ظلماً.
وسبق لغورباتشوف أن استخف بحقيقة أنه بعد 25 عاماً على انهيار الاتحاد السوفييتي، يبقى الرجل المكروه في روسيا قائلاً: «إن ذلك يعود لغياب حرية التعبير». لكنه يشعر بالقلق حيال غياب الديمقراطية وفكرة محاكمته، حيث كان يكتب المقالات والكتب ويدعو لتعزيز الحرية في روسيا.
في سنوات كبوته، أصبح غورباتشوف شخصية منعزلة، إذ توفي معظم معاصريه. وشكل انتقاده لغياب الديمقراطية في ظل بوتين سبباً لتجاهله من جانب كل محطات التلفزيون التي تديرها الدولة، بل وقد أعلنت هذه المحطات عن وفاته أكثر من مرة.
لكن غورباتشوف، وفقاً لـ«نيويورك تايمز»، لا يلوم بوتين مباشرة لغياب الديمقراطية في روسيا، على الرغم من أنه كان أكثر انتقاداً للرئيس الروسي، عندما نشر كتابه السنة الماضية، قائلاً: «بدأ يعاني من المرض نفسه الذي عانيت منه: الثقة بالذات»، مضيفاً: «أنه وقتها اعتبر نفسه في مصاف الآلهة».
ويلقي غورباتشوف باللائمة أساساً على عهد يلتسين الذي اتسم بالفوضى، وأعطى الديمقراطية وصفاً سيئاً في روسيا، وقال في مقابلة أخيراً: «ما زلت لا أفهم لماذا يعتبر يلتسين بطلاً في الولايات المتحدة، بينما كان في الواقع استبدادياً».
المسؤول الأول
ويشعر غورباتشوف، بوصفه المسؤول الأول عن إنهاء الحرب الباردة، بالخيانة من الغرب، والولايات المتحدة تحديداً، على لعب دور المنتصر ومعاملة روسيا مثل قن منبوذ، واستقدام قوات الناتو والاتحاد الأوروبي إلى حدودها. يقول: «كان هناك نمط من النزعة الانتصارية في إنهاء الحرب الباردة تقاسمه الكثير من الأميركيين، وكانت هذه نقطة بداية الانهيار لكل شيء».
غورباتشوف يسافر قليلاً هذه الأيام، مقسماً أوقاته بين مكتبه ومنزل صيفي خارج موسكو. ويصف رحيل زوجته رايسا بأنه «خسارته الكبرى».
تفيد صحيفة «نيويورك تايمز» أنه خلال حفل عيد ميلاده الذي ضم 300 ضيف، قدم عدة أشخاص أنخاباً لغورباتشوف، فأثنى عليه سفراء الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإسرائيل لجعله العالم مكاناً أكثر سلاماً واستقراراً.
أما رئيس تحرير «صدى موسكو» سيرجي بونتمان، فقال إن غورباتشوف «حطم الوجود الهادئ للجميع»، ممازحاً أن بوتين كان سيكون ملازماً محترماً في «كي جي بي» بدلاً من هدف للانتقادات من مختلف أنحاء العالم، وموجهاً نخبه إلى غورباتشوف: «لقد دمرت حياتنا».
