قبل قرن من الزمن، كانت الوسيلة الوحيدة التي تستخدم في قضاء معظم حاجات موظفي الحكومات ورجال الدول، هي الخيول، ويُعتني بها جيداً، ويقدم لها الطعام اللازم لمحافظتها على قوتها وتحملها، ولكن مع تقدمها في السن ومهاجمة الشيخوخة لها، يجدون أنه أصبح من المنطق والحكمة، عدم رعايتها وإطعامها كما كان من قبل، وبدلاً من مكافأتها على عقود من الخدمة، يتخلصون منها بالقتل.
وهي نفس الطريقة حالياً التي يتعامل بها الوسط الفني والإعلامي مع العديد من رموز الفن، فليس هناك إنسان لا يحتاج إلى مساندة الجميع وقت مرضه، ولكن مع القديرين سيد زيان وجورج سيدهم والمنتصر بالله، أطال الله في أعمارهم، الأمر يختلف بعض الشيء. فهؤلاء الفنانون الذين لطالما أسعدونا وتسببوا في بهجتنا، انتظروا طويلاً، ولا يزالوا ينتظرون المساندة والدعم من زملائهم ووسائل الإعلام ومؤسسات الدولة، لكن - للأسف - الجميع خذلهم.
المنتصر بالله
وهو ما جاء على لسان الفنان المنتصر بالله في حوار صحافي سابق لصحيفة «المصري اليوم»، حينما أكد أنه انتظر الكثيرين من زملائه لمساندته ووقوفهم إلى جواره، حتى لو بمكالمة هاتفية، وقتما هاجمته الجلطة الدماغية، لكن جميعهم، باستثناء خمسة أسماء، في مقدمهم الفنانة القديرة رجاء الجداوي، لم يفعلوا ما كان يريد.
أصبح المنتصر بالله، الذي تناساه الجميع حالياً، لا يسجل ظهوراً إعلامياً إلا في تعزية زملائه الفنانين وأقاربهم، فتجده حريصاً دوماً على تقديم واجب العزاء، وإظهار دعمه لهذا الزميل في وقت حزنه، أما في أوقات الفرح والمهرجانات، فلا يتذكره أحد منظمي أو نجوم وضيوف هذه المناسبات، ويبدو أن الجميع ينتظر وفاته، حتى يفكروا في إطلاق اسمه على إحدى دورات مهرجان القاهرة السينمائي، الذي يهتم بأعمال الشاشة الفضية، التي قدم لها المنتصر بالله فلمي «المواطن مصري» و«ضد الحكومة»، وغيرهما من كلاسيكيات السينما المصرية. أو ربما يفكرون في تسمية أحد مسارح الدولة باسمه، بعد أن أضحكنا لساعات طويلة عبر فصول مسرحية «شارع محمد علي».
جورج سيدهم
قبل عشرين عاماً بالتمام والكمال من الآن، قدم الفنان القدير جورج سيدهم، آخر أعماله الفنية: فيلم «الجراج»، ولم يمر بعدها عامان، حتى أصيب بجلطة في المخ، نتج عنها شلل نصفي تام في جانبه الأيمن، ليُجبر حينها على قرار التنحي عن حياة الأضواء والفن والمشاهير، ويلتزم مسكنه من وقتها وحتى الآن، لا يسأل عنه أحد، ولا يهتم بأمره سوى أفراد عائلته.
وحتى بعد الضجة الكبيرة التي أحدثها منذ عامين، حين ظهر نجماً لإحدى الحملات الإعلانية لصالح شركة مشروبات غازية، إلى جوار صديق النجاح النجم الكوميدي سمير والفنانة شيرين أبطال عمله المسرحي الأنجح «المتزوجون»، تذكرناه جميعاً لعدة أيام قليلة عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ثم مرت الدقائق والثواني، ونسينا مجدداً، وعاد القدير إلى سجنه المنزلي وحيداً كما كان منذ مرضه.
سيد زيان
ولأن كثيراً ما تختلف الأسماء والأشكال، وتبقى النهاية واحدة ومتشابهة، فحال الكوميدي القدير الآخر سيد زيان، للأسف، حينما تقرأ سطور حكايته مع الزمن، لا يختلف كثيراً عن النجمين المنتصر بالله وسيدهم. فملخص قصته معروف للجميع، مشوار طويل من العمل الإبداعي، ثم مهاجمة المرض بشكل مفاجئ، فيتوقف الزمن عند هذه النقطة، ويجد المبدع الذي طالما تغنى الجميع باسمه وفنه، يقضي حربه مع المرض وحيداً، دون حتى كلمة «الله يشفيك»، التي تريحه كثيراً حينما تخرج من لسان زميل عمل، لا يهون عليه قسوة مرضه، سوى تذكر أيام شقائهما سوياً.


