لعل من الطرافة أن نذكر القارئ بأن الممثل ويل سميث مثل دورين متناقضان تماماً خلال 15 عاماً. ففي عام 2001 جسد دور الملاكم الأسطورة محمد علي كلاي في فيلم «علي»..
وكان عن واحدة من أكثر الرياضات عنفاً، فيما اختار اليوم في فيلم «كونكاشن» (ارتجاج) الوقوف في الجهة الأخرى في دور الطبيب النيجيري بينيت أومالو الذي أعلن حرباً ضد كرة القدم الأميركية كونها كذلك إحدى أكثر الرياضات عنفاً.
كونكاشن (ارتجاج) فيلم جميل لكنه كالذي يلهث في تسلق تلة رملية على قدميه ليثبت أنه قادر على الوصول إلى القمة، وهو يمتلك وسيلة أفضل للصعود (سيارة مثلاً) لكنه لا يستخدمها، أو لنقل يبذل جهوداً جبارة ليكون أفضل وهو ليس بحاجة إلى ذلك أساساً.
أسلوب علمي
الفيلم عن القصة الحقيقية للطبيب النيجيري المذكور أعلاه، والذي استطاع الربط بأسلوب علمي بين مرض دماغي تسببت به الاصطدامات العنيفة التي تحدث بين لاعبي كرة القدم الأميركية على مر السنين التي يمضونها في الملاعب وتظهر أعراضه على شكل هلوسة وآلام وتهيؤات تدفعهم إلى الانتحار.
الطبيب يتعرض بعدها لحرب شرسة تميزت بطابع عنصري مقيت شنتها ضده رابطة كرة القدم الأميركية المعروفة اختصاراً بالأحرف NFL لإجباره على نفي اكتشافه للمرض.
الفيلم مقتبس من مقال نشر في مجلة «سي كيو» عام 2009 عن الأحداث الحقيقية التي وقعت عام 2002. العمل يذكر كثيراً من ناحية السرد والوقائع الحقيقية بفيلم «ذا إنسايدر» (1999) الذي كان عن معركة رجل ضد شركات التبغ. وبالطبع هذه النقطة تقودنا مباشرة إلى القول إن «كونكاشن» لا يحمل جديداً من هذه الناحية لأنه يتبع الصيغة نفسها وهي صراع رجل ضد نظام.
أداء لافت
الفيلم يعتمد بالكامل على أداء ويل سميث الذي برع في إتقان اللهجة الإنجليزية النيجيرية، لكنه كان سيظهر بشكل أقوى لو أعطي ديفيد مورس في دور اللاعب السابق مايك ويبستر (أول من مات ليبدأ صراع أومالو ضد الرابطة) مزيداً من المشاهد، خصوصاً أن أداءه كان لافتاً جداً.
الفيلم لم يكن حاذقاً نهائياً ويصر على إخبار المشاهد بما لا يحتاج لمعرفته، فلم يكن ضرورياً مثلاً مشهد إحساس زوجة أومالو (غوغو مباثا رو) بأن ثمة شخص يلاحقها قبل أن تضع يدها على بطنها ثم تؤخذ إلى المستشفى ونعلم أن مكروهاً سيحصل..
كما لم يكن ضرورياً مشهد نظرات الفزع المتبادلة بين أومالو وزوجته أثناء تلقيه مكالمة هاتفية، فتلك النظرات تصلح لفيلم رعب عن قاتل متسلسل وليس هذا الفيلم.
علاقة رومانسية
أيضاً لم تكن ضرورية التفاصيل في مشاهد العلاقة الرومانسية بين أومالو وبريما وهو اسم زوجته، وبتلك التفاصيل المقحمة كان من المفترض عمل فيلم آخر. ودعونا نسترسل أكثر في هذه النقطة، خصوصاً أن الفيلم يحتوي على فصل كامل مكرس كمحاضرة عن معنى أن يكون الشخص أميركياً:
فأومالو النيجيري أميركي ناحية إيمانه بالقيم (للعلم حصل على الجنسية الأميركية عام 2015 أي بعد 13 عاماً من الأحداث) لأنه يشن حرباً ضد منظمة فاسدة تترأس أكثر لعبة شعبية في أميركا وتتستر على المخاطر الصحية التي تصيب اللاعبين.
وهو بطل أميركي لأنه يفعل كذا أو يجب أن يفعل كذا وذلك هو الحلم الأميركي ما يعطي إحساساً للمشاهد بأن شخصيات الفيلم ليس لديها حديث إلا عن كيف يكون الشخص أميركياً، وهي مبالغة شديدة في تخصيص الحوارات لموضوع أقرب إلى المثالية منه إلى الواقعية.
كل تلك المشاهد والتفاصيل غير الضرورية أدت إلى إبطاء السرد كثيراً وفقدان التركيز وبالتالي تقليص قيمة مادة الفيلم وإبقائها في قالبها المعتاد. ولعل فيلم ستيف جوبز يعطينا درساً في الخروج من قالب السير الذاتية المعروف.
ملتقى نجوم
من اللافت أن هذا الفيلم يمثل ملتقى لنجوم عاشوا عصرهم الذهبي في حقبة التسعينات مثل ويل سميث وألبرت بروكس وأليك بولدوين، وبالطبع سميث هو الوحيد الذي تمكن من الصمود رغم بعض الهفوات في السنوات الماضية.
بطاقة
بطولة: ويل سميث، ألبرت بروكس،
أليك بولدوين
إخراج: بيتر لاندسمان

