الشاعر عادل خزام يبدأ بتلمس مغامرة تكتنف عملية المقارنة بين الأجيال، فهي تبدو له نوعاً من الاستدراج لمقارنة أخرى إزاء فكرة الزمن الذي هو في حال تغير دائم مع صروفه وأحداثه، وبالتالي فإن المجتمع يعيش هذا الزمن بشروطه ومقتضياته ولا مفر من الاشتباك والتحور والتكيف.
عادل ماذا تود القول؟ يرد: نحن، المجتمع الخليجي، شهدنا كما هو معلوم تحولات ثقافية واجتماعية متسارعة وعميقة، ولابد انها ألقت بظلالها على التجربة الابداعية بتجلياتها كافة، فهذا أمر طبيعي. في السبعينات بدأ الصوت الشعري يفارق قصيدة التقليد من خلال تشوفات واجتراحات من اضطلعوا بهذا التغيير، إذ مبكراً كتب الشاعر الإماراتي قصيدة التفعيلة، وممن سبقوا اليها أحمد أمين المدني وحبيب الصايغ وظبية خميس، ثم جاء جيل الثمانينات الذي بدا أكثر جرأة وتجريبا، فحقق نقلة أخرى بولوج تجربة قصيدة النثر فضلاً عن الاحتفاظ على مكتسبات جماليات التفعيلة بعد تطويرها على نحو أعمق. وإذا حاولنا أن نحصر الأصوات الجديدة في كتابة قصيدة التفعيلة والنثر، فإن عادل خزام يستطيع أن يعد حتى أربعين اسماً، وقد ساعد ظهور الملاحق الثقافية في تلك الفترة على ابراز تلك الأسماء، ولكن مع الزمن حدثت غربلة ما، الأمر الذي أدى ـ برأيه ـ الى انسحاب اسماء كثيرة، ومن بين هؤلاء الأربعين لم يبق صامد الى اليوم غير عشرة تقريباً، استمروا متحملين عذابات الكتابة، رغم الصعوبات وتقليدية المؤسسات الثقافية.
وفي المقابل يجد خزام أن الأصوات الجديدة في مجال الشعر باتت اقل.
انزياح
وأما على صعيد مضمون النصوص الابداعية فإننا، كما يقول، نستطيع ان نلمس انزياحا في بنيتها بما يجعلها مغايرة، ويبدو ان الأسماء الشابة الآن تخوض كتابة هجينة ومركبة تجمع بين الشعر والسرد والسيناريو، حيث هناك تدوير للأشكال والاجناس التعبيرية.
ويرصد خزام اليوم تعدد المرجعيات التي تؤثر في عمل الكاتب، ولعل الغالبية باتت تخوض الكتابة الروائية. بينما الشعراء توقفوا عند حدود مجموعتين الى ثلاث.
قلق
وأحب أن أشير، والكلام لايزال لخزام، إلى أن فقدان النقد الذي كان وافراً في العقود الماضية لعب دوراً في طبيعة مشهد النتاجات الحالية، كماً ونوعاً. لذلك ينادي بضرورة بروز الدور النقدي في هذه المرحلة، يقول: لابد من رصد وتحليل عطاءات التجربة الابداعية الإماراتية برمتها خلال الأربعين عاما التي مضت، هكذا ظهر على خزام القلق والخشية من نسيان ارث الاجيال السابقة في ظل زحف وهيمنة شروط الانتاج المعرفي الجديد الذي فرضته تكنولوجيا المعلومات والواقع الافتراضي، يقول: انني اطالب المؤسسة الثقافية بأن تقوم بدورها فوراً في هذا الصدد، فتعمد الى جمع الاعمال قبل ان تضيع مع الوقت، فهذه مسؤوليتها.
الانفجار
الشاعر سعد جمعة، يرى أن هناك شبه انفجار معرفي ومعلوماتي ناجم عن ثورة تكنولوجيا المعلومات التي طالت حياتنا خلال العقود الأخيرة، ترافقت مع انفجار مواز على مستوى التعبير عن الذات، والقدرة على الانتشار السريع، دون أن تكون الكتابة الشاقة والمعمقة مصدرا وأساساً لهذا التعبير الجديد وهذا الانتشار الكبير، مواقع التواصل الاجتماعي قد وفرت بدائل شديدة الفاعلية فاستغنى غالب الناس بها وبفنونها وفرصها وتعبيراتها الجديدة جذريا والتكنولوجيا الممتعة فعلا.
سابقا كان الكل يدور داخل دائرة معرفية واحدة، فكان بينهم لذلك احتكاك وتفاعل اجتماعي مباشر وحميمي، أما الآن فلا، الناس بدأوا يتوحدون مع الآلة أكثر فأكثر، والهاتف الذكي يهيمن الآن على حواس اللمس والنظر والسمع والتفكير، طوال الوقت كما ترى. هذا لم يكن سائدا في الثمانينات والتسعينات التي تستعرضها الآن، لذلك فلابد أن يكون هناك فرق. إنهم يحصلون الآن على المعرفة والمعلومة والنشر بطرق اسرع.
فرق آخر
ويعتقد سعد جمعة أنه وبالتأكيد، يحدث في الوقت ذاته فرق آخر مهم، وهو أنه حينما تتحرك أنت بنفسك طلباً للمعلومة، في ندوة او مكتبة أو حينما تنتقل جغرافيا الى صديق من اجل الحصول على المعلومة، فإنك بذلك تؤسس ذاكرة، أكثر رسوخا، بينما في ظل سهولة الحصول على المعلومة عبر هذا التلاحم والتوحد مع الآلة، تزعزع تأسيس الذاكرة، وتعيد تركيب نفسها داخل الآلة الذكية بديلا عن الانسان الذي يستهلكها ويوظفها. الإنسان يفقد الذاكرة مع الوقت والآلة تستحوذ عليها أكثر فأكثر.
ويذهب سعد موضحاً نظريته بأن هناك غيبوبة نسبية للوعي، الفردي والجمعي، اتكالاً على الآلة، ولكن لهذا المعطى الانفجاري جانب ايجابي، يتمثل في سهولة الوصول الى المتلقي. ويلاحظ سعد جمعة ضمن هذه المقارنة ان هناك نوعاً من العزوف عن النشر الورقي التقليدي الذي كان، لأن صفحة احدهم على موقع الفيسبوك، تغنيه عن معاناة النشر وشروطه وفشل توزيعه واعلانه وو الخ، كل هذا طبيعي ايضا في نظر سعد ولكن تبقى المشكلة في كيفية ادارة هذه المعطيات.
تحليل
ويحلل سعد الظاهرة بالقول: إن أي تغيير في نمط حياة البشر يحتم تغييرا في بنية العمل الابداعي الناشئ ضمن سياق هذا النمط. والجيل الجديد يبدو لي أكثر جرأة فيما يتعلق بإظهار مكنونه، وحتى حينما يتعلق الأمر بالإقدام على نشر العمل الفني.
وإزاء فرضية صراع الأجيال يقر جمعة بأنه موجود، ولكنني لا أؤمن به، ولا أمارسه سلوكاً، بل اعتبره ناجماً عن خلل في العقلية التي تتبناه، لأن الأجيال متكاملة ومتطورة حسب الآفاق المتاحة. وأيضاً لا أرى وجودا لصراع المدارس الأدبية ولا أؤمن بذلك، فأنا أبحث عن النص الجيد فحسب، سواء كان كلاسيكيا أو حديثاً.
معطيات
الشاعر عبد الله الهدية نفى أن يكون هناك صراع أجيال أصلاً، فهناك امتداد وتجدد يحافظ على ديمومة الحياة برأيه.
المثقف يجب ان يتصالح مع نفسه، هكذا يقول: فلا يجب ان يتعصب لرأي أو فكر بعينه، بما يفضي الى القطيعة مع غيره لأنه مختلف.
وعن الاسهامات التي تراجعت يقول: سابقاً كانت معطيات الحياة أيسر وكانت مختلفة عن الآن، ولذلك فمن الطبيعي ان تكون الاستجابة لها نوعية ومغايرة.
حالياً هناك نوع من التخصص، يتجلى في بيت للشعر الفصيح وآخر للشعبي ومسابقات لهذا التعبير الفني الثقافي تحديداً وهكذا، وأما اخطر معطى طرأ على حياتنا الثقافية، فهو التواصل الاجتماعي بمواقعه واشكاله العديدة.. وهكذا يجب ان نتعاطى مع هذا الواقع بشروطه. المنطق يقول ذلك. ولكن هناك من لايزال يتشبث بالماضي الذي له ظروف مغايرة، وهذه ليست المشكلة وانما تكمن في محاولة مصادرة حقوق بعضنا في اختيار ما يناسبه ويروق له.
اكتفاء
الآن بات الشاعر يلجأ الى الاكتفاء بالبيت والبيتين الشعريين للتعبير عن نفسه ورسالته، فيجد من المريدين والمعجبين بالآلاف. وهذا ما لا يلقاه ناشر الكتاب الورقي.
ويعلن الهدية: أنا شخصياً وجدت انتشاراً أكبر من خلال تجربة البيت والبيتين أكثر من القصائد المطولة، فالمزاج التذوقي العام أيضا قد حدث له تحول كما يبدو.
اليوم ثمة ثورة معرفية هائلة يجب ان نواكبها، لا مناص، ولكن هذا لا ينفي ضرورة الاهتمام بتراثنا.
هجوم
أمير الشعراء كريم معتوق ينتقد مبدعي ما بعد الألفية، ويمهد لذلك بالقول إن العملية الابداعية شأن ذاتي، وتختلف الكتابة ومتعلقاتها وفقاً لشخصية الكاتب، من حيث علاقته بالنشر أو المشاركات الشعرية، أو حتى متابعة الأنشطة الثقافية. وجيل الشباب الآن ـ في نظر معتوق ـ مختلف كثيراً عمن سبقوه، فهو جيل لم يستطع أن يفرض تواجده في الساحة المحلية بما يليق بمبدع إماراتي لديه أكثر من عشر صحف وعدد من المجلات ترحب بنشر أعماله، ولديه مؤسسات ثقافية عديدة ترحب بحضوره الجماهيري، ورغم كل ذلك فهو على صعيد الابداع لم يستطع أن يكون متجاوزا، وربما يكون انشغاله بالنشر السريع في وسائل التواصل، هو ما أغراه وصرفه عن الحضور الفاعل بنشر الكتاب والأمسيات.
ومن المفارقات أن الجيل الأسبق لهذا الجيل، وأعني به جيل الثمانينات كان الحضور في زمانه للشعر والقصة القصيرة فقط، وكانت الرواية تمارس على استحياء، حيث لم يكن وقتها على الساحة إلا عددا محدودا من الروائيين، لقد كان الشعراء هم الأكثر ظهوراً، لما يتمتع به الشعر من علاقة حميمة بالناس عامة، بينما نشاهد الرواية الآن تطغى على حضور الشعراء الباهت، رغم أن الرواية ليس لها منبر جماهيري أو الحضور شعبي، ورغم هذا فهي الآن تشكل مشهداً مميزا في الامارات.
استدراك
يضيف كريم: للإنصاف الذي لا يلغي من رأيي السابق شيئاً فإن هناك عاملاً غاب عن الساحة الآن وساهم في غياب الشعراء، يتمثل في أن جيل الثمانينات كان يشكل تواصلا عربيا بامتياز، وكان ذلك يحدث من خلال الجهد الشخصي، ومن خلال المؤسسات الثقافية في الدولة، ونرى الآن انكفاء كل الدول العربية على ذاتها، فليس هناك تواصل اعلامي وثقافي يمكن أن نقارنه بالمرحلة السابقة، هناك نشاط محموم وتنمية للفتور العربي في الشأن الثقافي، في الوقت الذي نشهد فيه حضوراً اقتصاديا كبيرا، وتواصلاً رياضيا أكبر، لقد انزوت الثقافة بعيدا عن المشهد، كما أن الاعلام ابتعد عن الثقافة المحلية بشكل كبير، واختفت البرامج التي تعنى بتغطية النشاط الثقافي، إلا ما تتفضل به الصحف التي باتت تتناقص فيها المساحة المتاحة للأنشطة باستمرار.
إنها الحرب
ويفاجئنا كريم معتوق بآراء جريئة أخرى في خصوص صراع المدارس الفكرية والأدبية حين يقول صراحة:
في الأدب ليس هناك صراع أجيال، بل هناك «حرب» اتجاهات، فأصحاب الاتجاه الشعري الواحد هم دائماً أصدقاء بمختلف الأجيال، وهم من يلتقون مع بعضهم كلما سنحت الفرصة، وما يتبادلون الاهداءات، ويمارسون شعوراً عدائيا ضد الآخر، وتسيطر عليهم فكرة أن لا أحد غيرهم بالساحة، وهذا الكلام ينطبق على جميع الاتجاهات، أو الاحزاب الأدبية إن جاز لي هذا التشبيه.
ويمضي قائلاً: يمكن القول بأن هذا الصراع والعداء الخفي خف قليلا، أو لا نكاد نراه الآن، ربما بسبب عدم وجود جيل جديد ظاهر ممن يكتب قصيدة النثر تحديداً، وكل المتواجدين على الساحة هم ممن تبقى من الجيل السابق ، والنضج يحول بينهم وبين الصراعات التي كانت تملأ الصحف في الثمانينات، والساحة الآن تشهد تواصلا مقبولا وإن كان غير مكتمل.
طبق البيض
ثم يتحدث كريم: عن نفسه محملاً الوافدين العرب مسؤولية جلب الصرعات الأدبية الى الساحة ويعترف: أنا من هذا الجيل ـ الثمانينات ـ الذي لم يكن متوافقاً فكرياً كما هي حال الأجيال السابقة، وقد شهدت الامارات انتقال المثقفين العرب، الذين ساهموا بشكل لافت في تفعيل الساحة، وساهموا أيضا بجلب الصراعات الثقافية العربية إلى ساحتنا، وكنت أراها ظاهرة صحية، فالإبداع شأن فردي لا يمكن أن نقول به كما نصنع قوالب البيض، متشابهة ومتساوية لتشابه المنتج، ما نكتبه ليس بيضاً، كان في غالب الأحيان وردة نلقيها على الجمهور، واحيانا كنا ننتج الحصى، بعد فترة طويلة يمكنني أن أقول بأن أكثر ما ميز جيل الثمانينات هو الحراك اليومي، والتفاعل مع القضايا الانسانية والعربية والشعرية، وهو حراك دائم، فما أن تهدأ الساحة حتى يؤججها شاعر برأي يلتف حوله مؤيدوه، ويلتف ضده مخالفوه، وكان من يجلس بالمقاعد الخلفية يتفرج على المشهد بكل ما فيه من حياة وحيوية.
جناحان
سالم الزمر
شاعر وإعلامي إماراتي، ولد في الشارقة عام 1961م.
تخرج في كلية الحقوق من جامعة الإمارات، ويكتب الشعر العربي الفصيح والنبطي وله مجموعة شعرية فصيحة بعنوان «أغلى الرسائل» 1999، ومجموعة نبطية بعنوان على «جمر الغضا» 1992، وأخرى بعنوان (صبح الحياة) صدرت عام 2006.
كما أن له مجموعة «بيروت وقصائد أخرى» عام 2008، وكتاب بعنوان «النبطي والفصيح»، وآخر بعنوان «طائر الشعر»، و«سفر الحب» وهو عبارة عن مختارات من أشعار شعراء الإمارات، وحالياً له تحت الطبع مخطوط بعنوان «فن وشعر وشكوى».
تلقى الزمر تكريماً من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في مهرجان الشعر العربي في دورته الثانية عشرة، ونال جائزة الشارقة للشعر العربي 2014.
حجاب
سلمى مطر سيف
أديبة مميزة، نشرت خلال الثمانينات والتسعينات باسم مستعار، يتميز سردها بتقنيات رفيعة المستوى، ولغة قائمة على الصور والأساطير. من مواليد 1962م في عجمان ، حاصلة على بكالوريوس كيمياء من جامعة الإمارات. نشرت قصتها الأكثر شهرة «النشيد» ضمن المجموعة الجماعية«كلنا كلنا نحب البحر» عام 1985 سبقتها مجموعة «عشبة» عن دار الكلمة في بيروت عام 1983، ثم «هاجر» من اتحاد الكتاب 1991.
فقد
أحمد راشد ثاني
الشاعر الراحل ولد في 1962 في خورفكان وله ثماني مجموعات شعرية.اللافت في المجموعات التي كتبها على مدى ربع قرن هو محاكاتها لكثير من تفاصيل تجربته الشخصية بحلوها ومرها، ديوانه الأخير (الفراشة ماء مجفف) عبارة عن قصيدة واحدة بـ 61 جملة شعرية .
القريبون من أحمد يؤكدون انخراطه في اللعبة الشعرية إلى آخرها، ليس بوصفها كتابة جديدة فقط، وإنما أيضاً بوصفها ترجمة لحياة ذات نكهة شعرية. الشاعر الراحل كان أحد أعلام الساحة خلال الثمانينات والتسعينات، وقد كتب إلى جانب الشعر بحوثاً في التراث، كما تتبع حياة شخصيات مؤثرة في تاريخ الإمارات.
من مجموعاته الشعرية: (دم الشمعة) و(يأتي الليل ويأخذني) الذي يصف معاناة الشاعر الوجودية و(هنا اللذة) الذي يزاوج بين عالمي الحب والبحر و(الغيوم في البيت) وبالعامية (يا ماكل خنيزي ويا خارف ذهب).
همة
إسماعيل عبد الله
الكاتب المسرحي البارز رئيس جمعية المسرحيين في الإمارات، وأمين عام الهيئة العربية للمسرح، حصل على جائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان الكويت المسرحي الثاني عشر عن نص «البوشية»، حصد في ايام الشارقة المسرحية جائزة أفضل نص مسرحي لست دورات متتابعة.
حاصل على شهادة الليسانس في الحقوق من جامعة الشارقة عام 1985م.