حيلة ذكية لجأت إليها لندن في محطة القطار الكبيرة (يوروستار) التي تصل بين القارة العجوز والمملكة المتحدة للتخلص من العازفين المتجولين الذين يتخذون من مترو الأنفاق أو محطات القطار الكبيرة مسرحاً لممارسة فنونهم، والتي تكون في بعض الأحيان مصدر إزعاج خاصة للذين لا يحبون الموسيقى الصاخبة التي ينشرها عازفو الطرقات ولا يحبون صوتها المرتفع أو أسلوبها الذي يمزج الصوت العالي بضجيج الشارع ليلفت النظر أو ليحصل على مزيد من السنتات التي يتركها المارة في قبعاتهم.
أثر طيب
فقد عمدت إدارة محطة يوروستار العملاقة وسط لندن إلى نشر ثلاثة أجهزة بيانو في ممراتها ليعزف عليها العامة، من هواة عزف البيانو مدركين أن الصوت الناعم والساحر للآلة الوترية سيكون له أثره الطيب في نفوس مرتادي هذه المحطة الكبيرة، ولأن صوت البيانو لا يشكل توتراً أو ضجيجاً لمحبي القراءة ترى كثيراً من المسافرين يفتحون كتبهم بالقرب من هؤلاء العازفين ويمارسون هوايتهم المفضلة وهم يصغون إلى نغم عذب.
تلك الأجهزة الثلاثة لا تخلو من أنامل ماهرة تلعب على مفاتيحها البيضاء والسوداء نغمات رائعة لموسيقيين كبار الذين اشتهروا بسوناتات البيانو، ويمكن لزائر محطة يوروستار أن يستمع إلى مقطوعة (ضوء القمر) لبيتهوفن أكثر من مرة، حيث يمكن لفتاة يافعة أن تستعرض ما تعلمته من فن في مدرسة الموسيقى التي ترتادها، ويمكن لموهوب بارع أن يستعذب إصغاء المارة لعزفه فيتحمس أكثر ليعزف الفصول الأربعة لفيفالدي، وبينهما أحب شاب أسمر اللون أن يقدم مقطوعات من البلوز الأميركي بأساليب معاصرة وكلاسيكية وحديثة عدة.
اعزف عليّ
عبارة بالإنجليزية وضعت فوق كل آلة بيانو تقول «اعزف عليّ» وهي دعوة لطيفة لمجيدي العزف وما أكثرهم في المحطة الذين يسارعون إلى المقعد الجلدي والذي لا يشغر إلا قليلاً ثم يبدأون العزف، وقد يدهش المرء من عدم تزاحم العازفين على أجهزة البيانو، حيث إن الموسيقى تحتاج إلى إحساس عميق من المبدع ومن المتلقي لذلك ترى العازفين المهرة يتقدمون بينما الأقل شأناً يفسحون لهم المجال.
إحساس رائع
اللطيف في الأمر أن العازف يتوقف من تلقاء نفسه حين يعلو نداء مكبرات الصوت يعلن عن وصول قطار باريس أو قيام قطار بروكسل، وسرعان ما يعود للعزف مدركاً أن جمهوره لا يتحلق حوله ولكنه يصغي إليه، جمهور يجلس في المقاهي المنتشرة في ردهات المحطة يبدو للوهلة الأولى ليس مبالياً، لكنه في الحقيقة سرعان ما ينظر باتجاه البيانو عندما يتوقف العزف، ذلك أن العازف أفسح مكاناً لزميل آخر، ضمن إحساس رائع بما يشكله الهارموني الموسيقي للذائقة والسلوك فيساعد في تهذيب الكثير من الفظاظة أو التقليل من الضوضاء التي تحدثها عجلات حقائب، وترى المسافرين حريصين على السير بهدوء أو الهمس في أذان أطفالهم ألاّ يحدثوا فوضى وأصابعهم تشير لعازف البيانو.


