مصيرٌ مجهول الملامح والهوية، ينتظر حال صناعة الأغنية العربية الآن، هكذا اتفق معظم خبراء الموسيقى، حينما تحدثت معهم «البيان»، للوقوف على الأسباب التي وصلت بنا إلى ذلك، والحلول التي قد نلجأ إليها هرباً من هذا المصير المظلم، والعودة إلى وقتٍ كانت فيه أغنية واحدة، تستطيع أن تجمع الوطن العربي أجمع إلى جوار المذياع ينتظرون إذاعتها، المزيد من التفاصيل في السطور التالية..
يقول الملحن المصري محمد رحيم: إن ملخص الأزمة برمتها، يكمن في تلك المشكلة المتمثلة في سيطرة مجموعة من رجال الأعمال ورجال القانون والمحاماة على صناعة الأغنية في الوطن العربي أجمع، وهؤلاء بالأدق، هم السبب الرئيس في إفساد هذه الصناعة الآن.
ويتابع: رجال الأعمال هؤلاء منذ دخولهم الصناعة، وحتى بعد مرور أوقات طويلة على ذلك، يتعاملون مع الأغنية على أنها في النهاية ليست إلا منتجاً، أستطيع أن أحصل عليه من السوبر ماركت، أو محل ما، فالأغنية تتكون من حالة يعيشها الشاعر، فيترجمها في صورة كلمات، ويذهب بها إلى ملحن موهوب لتطويع موسيقاه في خدمة توصيل هذه الحالة، ثم الخطوة التالية، تتمثل في اختيار المطرب القادر على إيصال هذه الحالة بصوته، وفي النهاية، تجد نفسك أمام اختيارين: إما نجم كبير في عالم الطرب يخدم هذه الحالة بجماهيريته التي تنتظر جديده دائماً، وإما الطريق الآخر بالاعتماد على مطرب موهوب، ولا أقصد هنا الذكر فقط، بل في الإجماع، يبحث عن فرصة.
عقد احتكار
ويؤكد رحيم: لكن، إذا نظرت في الاختيارين بشكل أدق، ستجد أنك مجبر على الاختيار الثاني فقط، لأن نجم المطرب ذلك مرتبط بعقد احتكار مع شركة ما يملكها رجال الأعمال هؤلاء، الذين كما أشرت يحاولون في المقام الأول «تظبيط» العقود بالشكل الذي يمكنهم من استغلال الأغنية من كل الجوانب، دون تقدير دور صانعيها الملحن والشاعر، والذي يعتقد رجل الأعمال أنه بمجرد شرائها منهم أصبح يملك كل حقوقها، وهو الأمر المخالف لقوانين حقوق الملكية الفكرية في العالم أجمع، لذا، لم تعد هذه العقود تخدم سوى المنتج، وتحتوي على الكثير من البنود التي تجحف بشكل كبير حقوق صناعها، ودعني أقل لك، إنه حتى المنتج لا يرتضي أن يقتسم صناع الأغنية معه نجاحها، وبالضرورة يأخذ المطرب صف المنتج، فهو الرجل الذي يتعاقد معه بملايين الدولارات.
وترجع الناقدة الفنية ماجدة خير الله، تراجع مستوى الأغنية العربية وتدهور صناعتها، إلى العديد من الأسباب التي لم تقتصر فقط على سيطرة رجال الأعمال على تلك الصناعة، حيث أكدت أنها أحد الأسباب الرئيسة بالفعل، ولكن ليس كل الأسباب، موضحةً أنها ترى أن الجهل وقلة الثقافة اللذين سيطرا على معظم المجتمعات العربية، لعبا دوراً محورياً في تدهور هذه الصناعة وتدني مستوى ذوقها الفني.
ما هو قادم
أما الملحن والموسيقار حلمي بكر، فبدأ حديثه عن الأزمة بجملة «المشكلة ليست الآن فقط، المشكلة الحقيقية تكمن في ما هو قادم»، شارحاً وجهة نظره، ومؤكداً أن السبب الرئيس في ما وصل إليه حال الأغنية، هو ضياع الحقوق، وعدم القدرة على إيجاد آلية حتى الآن تستطيع أن تحفظ للمبدع والفنان حقه، وتقف في صفه أمام جشع المنتج وسطوة القرصان الذي يلجأ إلى شبكة الإنترنت للحصول على أي منتج فني الآن، دون الاهتمام أو مراعاة حقوق صناع هذا العمل.
وتابع الملحن المصري، أنه للأسف، الأمر يزداد سوءاً يوماً بعد يومٍ، متسائلاً في حديثه «هل تركز معي بعض الوقت؟، أليس ما قدم في مطلع الألفية الثالثة، وكان يقال عليه وقتها إسفافاً وابتذلاً ولا يمت للفن بصلة، ويعتمد على إثارة الغرائز (أتحدث هنا عن الكليبات).. الآن، وبعد مرور سنوات، أصبح بعضنا يتحسر على هذا الفن، ويؤكد أنه أفضل بكثير، بل بمراحل بما يقدم الآن؟، فالدنيا قامت ولم تقعد، حينما قدمت روبي مشهداً في أحد كليباتها وهي تتمايل على عجلة رياضية، مرتدية ملابس رياضية، الآن، قد تجد في الكليب العجلة بالفعل، وستجد المطربة تتمايل عليها أيضاً، لكن بدون ملابس تماماً، لا رياضية ولا غيرها».
أسباب الأزمة
وأكد بكر، أنه يُحيل الأزمة الآن إلى الجمهور وحده، وليس المؤلفين أو الملحنين أو المطربين أو الصناع، مشدداً أنه بالترتيب، يُرجع الأزمة أولاً إلى الجمهور الذي يتلقى هذا الإسفاف، ثم إلى الشعراء الذين يشعرون بمغص ليس أكثر، فنحن في مهزلة ثقافية فنية، قديماً كان الشاعر ينقل لنا ما يشعر به من أحاسيس راقية، وتلحن وتنقل بصوت جميل، فيستشعرها المستمع.. أما الآن، فالشاعر لا يشعر إلا بطعم وجبة الكشري التي يتناولها قبل أن يكتب، إذن، ماذا تنتظر من الملحن؟!.
ولكن في نفس الوقت، ألمح بكر إلى أنه يُريد أن يوضح جزئية ما، أنه من الظلم أن نطلق أن الأغنية العربية بشكل أجمع أصبحت في حالة تدهور، فقد نتفق أن الأغنية المصرية في تراجع، لكن أمام هذا، شهدت الفترة الأخيرة تقدماً ملحوظاً للأغنية الخليجية واللبنانية، وبالمناسبة، هذا الأمر كان مخططاً له من قبل إحدى شركات الإنتاج، دون ذكر اسمها، وكان الهدف الرئيس من اتجاهها لعالم الإنتاج الموسيقي من الأساس، هو التقدم بالأغنية الخليجية، وجعلها منافسة للمصرية واللبنانية.

لن تزدهر إلا ببعث الحياة في موسيقانا
أكد الملحن ورئيس نقابة المهن الموسيقية الأسبق، منير الوسيمي، أن صناعة الأغنية العربية، لن تزدهر مجدداً، إلا عبر محاولات جادة من الجميع لإعادة بعث الحياة في الموسيقى العربية، باستعادة الأصالة في كل صورها، في الكلمة، اللحن، الأداء، التوزيع.. مؤكداً لـ «البيان»، على ضرورة إحياء مهرجانات الموسيقى العربية المشتركة مرة أخرى، وتفعيلها بشكل حقيقي، وليس بشكل صوري فقط، فتلك المهرجانات، يمكن أن تكون أعمدة قوية للغاية، نتمكن من خلالها أن نعيد لهذه الصناعة عافيتها.

مرحلة التمني
وطالب الوسيمي، الجميع من الخروج من مرحلة التمني إلى مرحلة التنفيذ، متسائلاً «لما لا نضع قوانين صارمة وواضحة للجميع، تحمي هذه الصناعة وتساعد في ازدهارها، بدلاً من التحدث فقط عن المار داخل الندوات الثقافية؟».
تفعيل المهرجانات العربية الموسيقية
حول غياب المهرجانات العربية الموسيقية المشتركة حتى الآن، وعدم القدرة على تفعيلها، يقول الملحن المصري محمد رحيم: أحب ذلك جداً، وأتمنى تفعيله، وكنت أحرص على المشاركة في كل المهرجانات المصرية والغربية وغيرها بالخارج أيضاً. ولكن، مع توقف مثل هذه المهرجانات في مصر، وتوتر واضطراب الأحداث السياسية الأخيرة، بدأ ذلك يؤثر في العالم العربي أجمع، ولكن أثق أن تحقيق ذلك أصبح أمراً سهلاً الآن، في ظل الترابط الذي نشأ بين معظم الشعوب العربية مجدداً، بعد الأحداث الشائكة التي مرت بنا خلال الأربع سنوات الأخيرة.

«ذا فويس» الأفضلية لأحلى صوت
ساهمت برامج المواهب في تقديم أجمل الأصوات إلى الساحة الغنائية، وبالتدقيق في أفكار البرامج المتنوعة، نجد أن برنامج «ذا فويس»، يمنح فرصة أكبر من غيره للتركيز على الأصوات الجميلة، وخصوصاً في مرحلة «الصوت وبس»، أو ما يعرف بالاختيارات العمياء، إذ يعتمد الاختيار في هذه المرحلة، على سماع صوت المشارك قبل رؤيته، ما يمنح الفرصة لاختيار صاحب الخامة الصوتية الأفضل، وهو ما يعطي المتسابقين جميعاً فرصة متساوية، وتكون الأفضلية لصاحب الصوت الجميل جداً والأكثر تميزاً. وتمتاز هذه المرحلة عن غيرها بالتشويق، لا سيما أن الصوت هو من يفرض نفسه فقط، ولا يتأثر فيها المدربون بأي مقومات أخرى، كالشكل مثلاً، لتكون المرحلة الأكثر مصداقية من غيرها، والأكثر عدلاً في الحكم بين المتسابقين.



