ما أجمل تلك الحكايات التي يطرق فيها التراث على وتر الحب والوجع الإنساني، وتتماهى فيها الدراما مع التراث في قصصٍ محبوكة، أبطالها نجومٌ يرتدون أزياء تعبق بالأصالة، نرحل معهم إلى «زمان لوَّل»، الذي نشتاق إلى رائحته، وتظهر من بين ثناياه تفاصيل جميلة، تُشعرنا بحميمية الماضي.
هكذا هي الدراما المحلية التراثية، تحيك بخيوطها أثواب الزمن الجميل، وتأخذنا إلى «زمن الطيبين»، حيث نستنشق هواءً نقياً، لنرى بيوتهم الشعبية، وتأسرنا «حبات الرمل» تحت عريشها، ونرحل مع «بحر الليل» إلى عوالم ساحرة، لنعود مع «وديمة وحليمة» إلى أرض الواقع، ونعيش أجمل قصة حب في «القياضة»، على أمل أن نلتقي بـ «طماشة» تُضحكنا ونستعيد أنفاسنا معها. مشكلات وعوائق كثيرة تقف أمام الدراما التراثية، رصدتها «البيان» من خلال الحديث مع المختصين في مجالي الدراما والتراث، الذين اتفقوا على أن المسلسلات التراثية مظلومة وتعاني التجاهل.
على عاتقه يحمل المخرج بطال سليمان، همّ الدراما التراثية، ويمضي ساعياً إلى تقديم أفضل ما يحتاجه العمل الدرامي، ولافتاً إلى وجود مشكلات كثيرة، قال عنها: يعاني المسلسل التراثي فقراً شديداً في متطلبات العمل، فشركات الإنتاج تقدم له ميزانيات عادية، مقارنة بالأعمال الاجتماعية، رغم كونه مكلفاً، ولأن الميزانية لا تستطيع الإيفاء بالتكاليف، يضطر أصحاب العمل إلى الاستغناء عن بعض المهن المهمة والمكملة، كالاستغناء عن مصمم أزياء واستبداله بخياط، وهذا الأمر يفقد العمل بريقه، ويؤثر في سويته سلباً.
وأكد سليمان أن الاستعانة بالباحثين والمختصين في الأعمال التراثية، أمر مهم، وخبرة المختصين في التراث، تساعد على تقديم عمل متكامل، سيصبح بعد فترة من الزمن مرجعية فنية ذات قيمة مهمة.
نصوص
وذكر بطال أن الدراما التراثية تعاني مشكلة في النصوص، لافتاً إلى وجود نقص في النص المحلي التراثي المحبوك بشكل محترف، وقال: أجد صعوبة في انتقاء نص جميل، يمثل حياة اجتماعية تصلح لأن توضع في قالب تراثي.
وطالب سليمان، مسؤولي الإنتاج بعدم الاستهانة بالدراما التراثية، مشيراً إلى ضرورة رفع الميزانيات، والاستعانة بخبرات تضيف للإبداع، لافتاً إلى أن العمل التراثي اليوم مظلوم أكثر من غيره، ويعاني التجاهل بشكل كبير، وعاتباً على الإعلام الذي لا يهتم بالمسلسلات التراثية، ولم يذكرها أو يشير إليها في صفحاته.
صنعة مفقودة
أكد الكاتب والباحث أحمد محمد عبيد، أن الدراما التراثية فن يستحضر الماضي بكل جمالياته، لافتاً إلى حاجتها لتقديم أعمال متكاملة أكثر مما تحتاج إلى أعمال ارتجالية، وقال: هناك محاولات جيدة لتقديم أعمال تراثية عالية الجودة، إلا أنها لم تصل لدى القائمين على الدراما إلى مسألة الصنعة، ففي أوروبا وأميركا، يتم الاستعانة بمختصين يمتلكون الخبرة بالحقب الزمنية وأدواتها ومستلزماتها، من ثياب وأكسسوارات وأسلحة، إضافة إلى شكل البيوت وتفاصيل تلك الفترة.
وأشار إلى أن صناع الدراما المحلية، يستعينون بخبراتهم التي اكتسبوها من أجدادهم وبيئتهم في مجال التراث، لتقديم أعمال درامية، إلا أن الأعمال التي نراها تميل إلى الارتجالية أكثر، لاعتقاد صناعها بأنهم على خبرة كافية بتفاصيل الحقب الزمنية القديمة، وقال: لا يكفي الاعتماد على الخبرات الذاتية، فالأمر بحاجة إلى الاستعانة بالمختصين، في ما يتعلق بالتدقيق على اللهجة، والتفاصيل الأخرى للعمل، وأضاف: من المهم جداً، توفير مبانٍ تراثية قديمة، تتوفر فيها أجواء وظروف كل حقبة زمنية، فلا يمكن الاستعانة بأزياء الستينيات واستخدامها في عمل يتناول فترة الثمانينيات، فلكل مسلسل خصوصيته، ويجب أن يكون هناك اختلاف في الأزياء بين عمل وآخر، وفقاً للحقبة الزمنية التي يتم تناولها.
بحث مكثف
«الأعمال التراثية عميقة، لا يمكن الإلمام بتفاصيلها بشكل كامل»، هذا ما أكدته الفنانة رزيقة طارش، لافتة إلى أنه مهما اجتهد صناع الدراما، فلن يتمكنوا من توفير كل ما يحتاجه العمل التراثي، وقالت: كل معلوماتنا في التراث، مستقاة من آبائنا وأمهاتنا وما نقرأه ونسمعه، وبالتالي، تبقى هناك تفاصيل لا نستطيع الإلمام بها، فالأمر يحتاج إلى بحث مكثف قبل كتابة النص، ومراجعة وتدقيق من قِبل المختصين في التراث على كافة التفاصيل.
وطالبت طارش، صناع الدراما التراثية، بالاستعانة بمختصين في التراث، لتلافي الأخطاء، وقالت: لست راضية تمام الرضا عن أعمالنا التراثية المعروضة، ورغم أن هناك جهوداً كبيرة مبذولة، إلا أن المسلسل التراثي، يستحق المزيد من الاهتمام والجهود.
مشكلة خلط
تعاني الأعمال التراثية مشكلة الخلط بين الواقع والدراما، فالقصص التراثية الحقيقية، يمكن تحويلها إلى أعمال وثائقية، أما الدراما التراثية، فيمكن تجسيدها من خلال قصص مختلفة، يتم وضعها ضمن حقب زمنية معينة، لتأخذ شكل تلك الحقبة، من حيث البيئة والتفاصيل، وهنا، يأتي دور الإكساء، وهو المقاربة للحقبة التاريخية المقصودة من جميع الجوانب.



