تدور الآن بوادر المعركة التي بدأت تنتزع نواة التعتيم والظلامية الانترنتية من النظام التوتاليتاري لرئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون، والتي يشنها الشباب الذين يدعوهم المراقبون بـ«جيل السوق السوداء»، الذي بات يتحدى نظامه بمشاهدة أفلام هوليوود ومتابعة المسلسلات الأجنبية وسماع الموسيقى وأداء لعبة الماهجونغ.

وأفادت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، في تقرير نشر أخيراً، أن مشكلات جيل الشباب حطت الرحال في كوريا الشمالية، حيث يستعد الأساتذة للعودة إلى الموسم الدراسي الجديد، مسلحين استعداداً لـ«المعركة الإيديولوجية» التي سيضطرون فيها للمجادلة والإقناع بشأن عدد من القضايا، التي يفترض أنها محرمة في مجتمع يعتبر نفسه مثالياً ككوريا الشمالية. وتتناول تلك القضايا العلاقات العاطفية والمقامرة وصولاً إلى تعاطي الممنوعات.

ترعرعت أجيال الألفية الكورية الشمالية في ظل سنوات من القبضة الاقتصادية الحديدية، وشهدت بدء التراخي النسبي، الذي أتاح ظهور الأسواق المنتشرة في الشوارع، ونشوء شركات التجارة الخاصة.

وهدفت «الإصلاحات» الأخيرة إلى إعطاء المواطنين الموالين للنظام جرعةً من الازدهار، وتدارك تكرار أزمة المجاعة الكارثية، التي قتلت مئات ألوف الأشخاص في التسعينيات.

إلا أن ذلك الواقع فتح المجال كذلك أمام انتشار موجة من الارتياب الثقافي والسياسي «المتحلل»، والمتزامن مع بدء اتجار الناس بالأقراص المدمجة، وبطاقات الذاكرة الإلكترونية المهربة من الخارج.

وكانت النتيجة أن بدأ الجيل الشاب بمشاهدة أفلام هوليوود، ومسلسلات رومانسية من كوريا الجنوبية، إضافة إلى الأفلام المحظورة أصلاً عن مواقع الإنترنت.

وقال جوزيف كيم، البالغ من العمر 25 عاماً، وقد هرب من البلاد حين كان لا يزال في سن المراهقة، وألف كتاباً يروي فيه تجاربه: «أدرك تماماً السبب الذي يدفع الحكومة للاهتمام برياح التغيير التي تعصف بأجيال الألفية من الكوريين الشماليين».

وأضاف كيم: «لقد أصبح أبناء هذا الجيل أكثر تمرداً، ليس بالمعنى العنفي للتمرد، بل من حيث التفكير والعقلية. لقد أصبحوا أكثر فضولاً واهتماماً بالعالم الخارجي، في خطوة تمثل تبدلاً كبيراً».

وكشف كيم، الذي يتابع دراسته العليا في العلوم السياسية في جامعة بارد في ولاية نيويورك الأميركية، النقاب عن أن السلوكيات السيئة كانت تقتصر بشكل واسع على أبناء العائلات التي تتمتع بامتيازات كبيرة، وقال: «حين يبلغ الفرد في أميركا ستة عشر عاماً، يبدأ بالتفكير في الحصول على رخصة قيادة، والعثور على صديقة، والذهاب إلى الجامعة، إلا أنه بالنسبة للعديد من الكوريين الشماليين ممن هم في العمر نفسه، فسيكون هذا التفكير أشبه بمفهوم غريب. ويقتصر الحافز الأول لهؤلاء على البقاء».

وأكدت إذاعة آسيا الحرة، نقلاً عن مصادر لها، أن الحملة بلغت أوجها حين أعلنت السلطات في عيد التعليم الالتزام بترسيخ القيم والولاء لسلالة كيم الحاكمة.

ودخل على خط نمط حياة جيل السوق السوداء أعضاؤه البارزون من أمثال بارك يون مي المولودة عام 1993، التي قالت:«أثناء فترة نشوئي في كوريا الشمالية لم أرَ في حياتي شيئاً عن قصص الحب بين النساء والرجال، لم يكن هناك أي كتب أو أغنيات أو مسرحيات أو أفلام تدور حول قصص الحب. لم يكن هناك أي وجود لقصص روميو وجولييت».

وسبق لوالدة بارك أن حذرتها من «عدم التجرؤ على ذكر الأمر ولو همساً لأن الحيطان لها آذان»، وكبرت بارك وهي تعتقد أنه يمكن للدكتاتور أن يقرأ أفكارها، سيما وأنها كانت شاهدةً في التاسعة من عمرها على قتل إحدى صديقات والدتها شنقاً، بسبب مشاهدتها فيلماً غير قانوني. لكن العالم تغير بالنسبة لها، حين تجرأت هي نفسها على مشاهدة فيلم «تايتانيك» الشهير، وقالت في منتدى أوسلو للحريات:«جعلني الفيلم أدرك أن النظام يسيطر على كياني بالكامل دون أن أعي ذلك».

وقالت بارك إن جيل السوق السوداء يتمتع بثلاث صفات تحدد معالمه، وتتسم أولاً بعدم تكريسه لسلالة كيم، وثانياً بانفتاحه الواسع على الإعلام الخارجي والمعلوماتية، وجنوحه نحو الفردية والرأسمالية.

وحاول نظام كيم جونغ أون البالغ من العمر 32 عاماً الظهور بوجه شبابي بإقامة بعض حفلات موسيقى البوب ودعوة اللاعبين الرياضيين، إلا أن التقارير الصادرة في الخارج شوهت الصورة، بنشرها معلومات تفيد عن حالات إعدام لمغنين وممثلين هاجموا كيم جونغ أون.

وقال جوزف كيم: «لا أظن أن الدعاية عادت تنفع، لقد فقد النظام هيبته السلطوية، التي تشكل العامل الأهم في الحفاظ على الحكم».

سلوك

أشارت صحيفة «صنداي تايمز»، إلى أنه تم القبض، أخيراً، على طلاب في مدينة هيسان الكورية، ا يتعاطون الممنوعات ويقامرون ويشاهدون أفلام فيديو مخلة. كما ألقت الشرطة الكورية القبض على 14 شاباً وفتاة يمارسون لعبة الماهجونغ.

ويظهر انتشار الممنوعات أن الإنتاج الصناعي لكوريا الشمالية من مادتي الميثامفيتامين والأدوية المنومة المحظورة، التي يتم تصديرها بشكل غير شرعي ويعود بأرباح بالعملة الصعبة على النظام قد رشح إلى الداخل.