طبق الممثل الكوميدي الغواتيمالي جيمي موراليس المثل القائل «إن لم يكن صحيحاً ففألاً حسناً»، وحقق، كما في فيلم قام ببطولته، فوزاً في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية مشابهاً لانتقاله درامياً من بطل رعاة البقر إلى رئيس بالصدفة، وتقدم خطوةً من السدة الرئاسية في غواتيمالا، بعد أيام من استقالة وسجن الرئيس أوتو بيريز مولينا واعتلاء نائبه المنصب بدلاً منه.
وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، في تقرير نشر أخيراً، أن موراليس حصل على نسبة 24 في المئة من أصوات الناخبين، متصدراً متقاسمي المركز الثاني الحائزين على قرابة 19 في المئة من الأصوات، وهما رجل الأعمال اليميني مانويل بالديزون والسيدة الأولى الغواتيمالية السابقة اليسارية ساندرا توريس، مما ضمن تأهله للجولة المقبلة في الانتخابات الرئاسية الحاسمة.
ويعكس الصعود الهائل لموراليس البالغ من العمر 46 عاماً، والذي بالكاد سجل دخوله في الانتخابات الرئاسية، خيبة الشعب الغواتيمالي المعتادة إزاء السياسيين. وقد خاض موراليس السباق الانتخابي كسياسي من خارج الأحزاب، واعتمد تعبير «لا فاسد ولا سارق» شعاراً لحملته.
وقال موراليس في حديث أجري معه، أخيراً: « تكمن إحدى أولوياتي في محاربة الفساد. إذا لم نستعد الأخلاق في الحكومة، فلا شيء سيجدي نفعاً».
فساد مستشر
وكان شعب غواتيمالا قد نزل إلى الشارع بأعداد هائلة في أبريل الماضي، إبان كشف هيئة تابعة للأمم المتحدة مختصة بمحاربة الجريمة مخطط احتيال جمركي يكشف تورط عدد من المسؤولين في الحكومة. وقدمت نائبة الرئيس آنذاك روكسانا بالديتي استقالتها قبيل دخولها السجن. كما أنكرت هي والرئيس السابق التهم الموجهة إليهما بالاحتيال والتآمر.
وبقدر ما جاء صعود موراليس مفاجئاً، كان تراجع بالديزون مدوياً، سيما وأن أعضاء كتلة مشرعي الحزب الذي ينتمي إليه استمرت في دعم بيريز مولينا قبل أيام من توقيفه بتهمة الفساد.
وكان بالديزون يتقدم بأشواط على بقية المرشحين الرئاسيين، في الأشهر القليلة الماضية، إلا أن حظوظه تضاءلت بشدة، عقب تكشف المزيد من فصول الفضيحة المدوية.
وقال ليونيل سانشيز، أحد مدققي الحسابات من الطبقة المتوسطة في غواتيمالا: «نحن لا نثق بالسياسيين، وينبغي لهذا الصراع نحو تشكيل حكومة نظيفة أن يستمر بغض النظر عمن سيكون الفائز». ويشكل فوز موراليس في الجولة الأولى من الانتخابات إنجازاً مهماً، سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن حزبه أنفق حوالي 480 ألف دولار على الحملة الانتخابية في يوليو الماضي، وفقاً لسجل الدوائر الانتخابية، مقارنةً بمبلغ 5.3 ملايين دولار كلفة الحملة الانتخابية التي دفعها حزب بالديزون اليميني.
وقال خافيير برولو، أحد المحققين التابعين لمؤسسة بحثية خاصة:« أتت العملية الانتخابية الحاصلة، بمعظم أوجهها، شبيهةً بمعركة بين الخير والشر».
وأدلى الغواتيماليون في الانتخابات التي جرت، أخيراً، بأصوات أوصلت مجلساً نيابياً جديداً للبلاد ومئات العمد، علماً بأنها لم تحقق نسبةً تفوق الخمسين بالمئة لأي من المرشحين الرئاسيين، وحتمت بالتالي إجراء جولة أخرى في 25 أكتوبر المقبل.
وبقي حزب جبهة التقارب الوطني بعيداً عن تحقيق أي أغلبية تذكر في المجلس النيابي، مما يعني ضرورة التوصل إلى اتفاقات لتمرير مشروعات القوانين.
حكومات ملوثة
ويكمن التحدي الحقيقي للعديد من الغواتيماليين البالغ عددهم حوالي 7.6 ملايين مقترع، في إيجاد قائد حقيقي للبلاد، لا تتلوث يداه بالفساد المستشري في أوساط الحكومات السابقة المتعاقبة منذ نهاية الحرب الأهلية في 1996، التي استمرت 36 عاماً.
أما بالنسبة لبالديزون وتوريس اللذين حلا في المرتبة الثانية بعد موراليس، فهما سياسسيان مخضرمان، قيل إن حزب كل منهما اليميني واليساري على التوالي قد ارتكبا مخالفات تنتهك قوانين تمويل الحملات الانتخابية. وتقدمت توريس عقب عملية منهكة لتعداد أصوات الناخبين بمعدل ألفي صوت فقط على بالديزون.
وأكد موراليس الذي ترعرع في الفقر، ونال مع ذلك شهادة في إدارة الأعمال، أن قراره الأول كرئيس للبلاد سيكون جعل العقود العامة تتمتع بالشفافية ومنح الشعب والإعلام إمكانية الوصول إلى كل خطوة من عملية تبني العقود. كما تعهد بإجراء استفتاء عام حول إصلاح القانون الانتخابي في غواتيمالا. وصرح موراليس بأنه سيدعم الوجود الدائم للبعثة الدولية للأمم المتحدة.
ويقول منتقدو موراليس إنه يفتقر لخطة حكم حقيقية، ويصفون بعض الإجراءات التي يتحمس لها بالغريبة، سيما تلك التي تتعلق بتوزيع هواتف ذكية على كل طفل في غواتيمالا. وقال غودوي في هذا الشأن: «يعتبر برنامجه غامضاً وسطحياً، فهو لم يتوقع أن يكون في موقع الفوز بالرئاسة».
أما بالديزون فلديه خطة لمحاربة الفساد وإصلاح القانون الانتخابي، في حين اتهمت لجنة الأمم المتحدة والمدعون المحليون المرشح المنافس وعدداً من مشرعي الحزب بالتورط بأعمال غسيل أموال أنكروا القيام بها.
عذراء سياسية
أكد محللون أن التقارب على احتلال المنصب الثاني بين بالديزون وتوريس في الانتخابات الرئاسية في غواتيمالا قد يؤدي على الأرجح إلى إعادة احتساب الأصوات. وقال برناردو أريفالو، المستشار والمتخصص في علم الاجتماع: « سينتهي هذا الصراع في قاعة المحكمة».
وقال المحلل الاقتصادي والصحافي البارز إنريكي غودوي: «القاعدة الانتخابية كانت تبحث عن عذراء سياسية، وقد وجدت ضالتها في جيمي موراليس».
