لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

 

«أغداً ألقاك»، «قارئة الفنجان»، «مضناك جفاه مرقده»؛ والعديد من القصائد التي تغنى بها نجوم الغناء، وكتبها ولحنها عباقرة الموسيقى والشعر، لتترجم أعمالهم حالات الهجر والنسيان والانتصار والانكسار والأفراح والآلام التي يعشيها المجتمع العربي، إلا أن هذه القصائد غابت عنّا وحل محلها أغانٍ سريعة «تيك أواي» ذات إيقاع راقص، بعيداً عن التفكير بموضوع الأغنية وفكرتها، فالنجوم الذين لايزالون يحاولون تقديم هذا النوع من الأعمال يعدّون على أصابع اليد الواحدة، أما الباقي فهم يقدمون كل ما هو رائج في السوق.

وفي ظل استفحال هذه الظاهرة تبحث «البيان» عن أسباب غياب القصائد، وتسأل: هل السبب يعود إلى امتناع المطرب عن تقديمها، والشاعر عن كتابتها، أم عزوف الجمهور عن سماعها، أم أن شركات الإنتاج ووسائل الإعلام هي السبب وراء ذلك؛ أسئلة أخرى شائكة وإجابات من أصحاب الشأن في السطور التالية:

تنوع الأعمال

يقول الشاعر علي الخوار: كوني شاعراً وكاتباً مختصاً في الأغنية الخليجية الشعبية؛ أرى أن الأغنية الخليجية هي الوحيدة التي لاتزال محتفظة بالقصيدة سواء أكانت فصيحة أم شعبية، مع وجود بعض الأغاني التي تُكتب بشعر التفعيلة، أو الشعر الغنائي، ولكن أغلب الأغاني الشعبية الخليجية والإماراتية تحديداً تعتمد على القصيدة الموزونة والمقفاة، وأقصد هنا الشعر العمودي التقليدي.

وأنا أفضل هذا النوع من الشعر عند كتابتي الأغنية، وأغلب الأغاني التي نجحت لي نجحت بهذا النمط من الشعر، ولا مانع من التنويع في كتابة الأغنية في بعض الأحيان إن كان الشاعر متمكناً من أدواته ويستطيع ذلك، ويخدم الموضوع الذي يطرحه، وهناك بعض المطربين والملحنين الذي يفضلون التفعيلات الوزنية القصيرة ويفرضونها على كاتب الأغنية بحجة أن الألحان على هذه التفعيلات القصيرة تكون أجمل خصوصاً في الأغاني الشبابية الجديدة.

وفي النهاية سوف نجد لكل أسلوب في الشعر أو الأغنية متابعيه ومعجبيه الذي ينتظرون سماعه، فالأذواق تختلف بين الجمهور، وكل لون في الغناء له مستمعوه.

رقي المستوى

يرى الشاعر تامر حسين أن المشكلة الرئيسية تتلخص في انعدام الذوق العام، وعدم الاهتمام باللغة العربية، حيث إن الأغاني الشعبية غزت السوق لتغيّب تفكير الجمهور وتجعلهم ينظرون إلى الأشياء بشكل سطحي، يقول حسين: حينما يتم تقديم أغنية بكلمات عامية، ولكنها قوية في معناها لا يستوعبها الجمهور، فمثلاً حينما قدم الأطفال أوبريت «بلادي» الذي تم تقديمه أخيراً في احتفالات قناة السويس، هناك كلمات وجدوها صعبة على الرغم من أنها باللهجة المحلية، لأنهم للأسف في المدارس يهتمون باللغة الإنجليزية والفرنسية على حساب العربية.

ويضيف: هذه القصائد الرائعة التي كانت يتغنى بها لم تعد موجودة حالياً، فمحاولات قليلة نسمعها من حين لآخر بصوت كاظم الساهر، من شعر نزار قباني، غير ذلك قلما تستمع إلى قصيدة تجذبك، لذلك لابد من معالجة الذوق العام في البداية بأغانٍ راقية ثم بعد ذلك نجتهد لتقديم قصائد على مستوى مميز، حتى يطمئن الفنان لتقديمها، ولا يكون لديه بعض من الخوف والقلق بأن الجمهور لن يرغب بسماعها.

الفن الهادف

الشاعر كريم العراقي يخالف تامر حسين الرأي، ويؤكد أن الجمهور ليس له ذنب في انحصار القصائد العربية، وإنما الأمر يعود للفنان نفسه الذي يلهث وراء الشهرة والانتشار السريع، وتقديم الأغاني السريعة التي تتسم بمفردات ومعانٍ لا ترتقي إلى المستوى المطلوب، وحتى شركات الإنتاج تشجع على ذلك فـ 90 % منها يهمها الربح، والباقي يندرج تحت نطاق الفن، فالنجوم الكبار أمثال ماجدة الرومي ولطفي بوشناق وعلى الحجار يميلون إلى تقديم القصائد، ولكن السوق لا يساعدهم على ذلك، ويضيف: قريباً سوف يطرح كاظم الساهر ألبوماً غنائياً يحمل 6 قصائد، 3 منها لنزار قباني و2 من أشعاري، فكاظم دائماً يسعى إلى تقديم الفن الهادف، وأنا أؤمن بأهمية اللغة العربية وقيمتها، وهذا أيضاً ما تسعى إليه الإمارات، بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، التي تدعو إلى الحفاظ على اللغة العربية.

مقارنات

يقول الناقد طارق الشناوي: الفنان الوحيد الذي رفع راية القصائد بعد رحيل العمالقة هو كاظم الساهر، حيث تغنى من كلمات نزار قباني، وألحانه واستطاعت أن تجعل هذه الأعمال في متناول الجميع، وليس للنخبة، وأذكر أنه قبل فترة سجل هاني شاكر قصيدتين باللغة العربية من كلمات نزار قباني وألحان حلمي بكر والموجي الصغير، ولكنهما لم يريا النور، وربما يكون بسبب تخوف هاني شاكر من المقارنة بينه وبين كاظم الساهر.

يضيف الشناوي: بعض المطربين العربي حينما يصلون إلى قدر من الشهرة، يتوقفون عن التطلع أمامهم، ويبدأون في النظر تحت أقدامهم ويبحثون فقط عن الاستسهال، ولا يطورون من أنفسهم وتحديداً من الناحية الثقافية، فالغناء باللغة العربية، يتطلب قدراً من الثقافة غير متوفر في عدد كبير من النجوم حالياً، بالإضافة إلى أن الجمهور لن يتقبل رؤية دياب أو إليسا أو نانسي يقدمون قصائد لأن صورتهم الذهنية في عقول الجمهور ارتبطت بأعمال معينة.

أنشودة

الفنان يترك تاريخاً يعبر عنه

جوليا بطرس تعد من الفنانات القلائل اللواتي يقدمن أنشودة متلاحمة بين السلام والثورة والبركان، قصائدها التي قدمتها باللغة العربية والتي حملت بين طياتها معاني وطنية، لاتزال تردد ولها صدى قوي حتى الآن، حيث تحرص على تقديم الأعمال الوطنية، وذلك لتذكر الجمهور بوجود القضية التي لم تمت، والتي يجب ألا ينساها الناس وينشغلوا عنها بمغريات الحياة، مشيرة إلى أن الفن بالنسبة لها ليس مجرد أغاني حب واشتياق أو فراق حبيبين، بل هو أكثر من ذلك بكثير؛ هو رسالة تستطيع من خلالها التعبير عن رأيها، فحب الوطن أسمى أنواع الحب، والذي لن يفارق قلبها مدى الحياة، فالفنان من وجهة نظرها ليس مجرد صوت لأنه في نهاية المطاف سيترك وراءه تاريخاً يعبر عنه.

تجربة

لن يبقى سوى الأفضل

قدمت الفنانة أسماء المنور قصيدة «المحكمة» مع كاظم الساهر، معتبرة أن غناءها باللغة العربية الفصحى تجربة مميزة تتمنى تكرارها باستمرار، لأنها تطمح دائماً، إلى تقديم فن هادف.

تقول المنور: أنا على يقين أنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح، ففي الماضي كان يستخدم بعض النجوم كلمات جريئة من ناحية المعنى، ولكن وبعد مرور سنوات طويلة لم يبق سوى الأفضل، كذلك اليوم عندما تقوم بعض الفنانات بالاعتماد على الإغراء لنرى رداءة في الكلمات وكذلك المظهر، لن يبقى في النهاية سوى الأفضل، فالجمهور ذكي ويعرف الفنان صاحب الموهبة الحقيقية والآخر الذي لا يمتلكها، والدليل على ذلك نجاح «المحكمة» والكثير من الأعمال المميزة.