في غزة ورغم ظروفها الصعبة الا ان السينما استطاعت ان تعيد بريق الماضي لمتابعيها، بين الرومانسية والحب والنضال والمعرفة برزت مواضيعها التي نقلها المخرجون الفلسطينيون برؤى مختلفة تعالج الواقع. وهذه المرة خرجت السينما الفلسطينية عن المألوف بعض الشيء، وتناولت موضوعا لطالما لم يقدم على تناوله احد عن دون قصد، فسقط سهوا بين موضوعات لم يتم التطرق لها.

«أقوى من الكلام» فيلم وثائقي بصبغة مختلفة، للمخرج مصطفى النبيه، يتحدث عن الصم في قطاع غزة وظروف حياتهم المختلفة واهم المواقف التي يتعرضون لها.

يقول: ان الفيلم يعتبر تجربة ثرية كانت المهمة الاساسية هي التركيز على معاناة الصم، ومعاناة المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة معا، وتحديدا الصم لديهم خصوصية كبيرة ويواجهون عقبات اكثر وهذا ما اردت التعرض له من خلال الفيلم الذي اخذ في بدايته طابعا دراميا وثائقيا.

لا يختلف الشخص الأصم عن ذلك الذي يتكلم ويسمع، فهو أيضا يعمل ويبني أسرة ويربي أولاده ويمنحهم الرعاية والحب والحنان، ميساء، رائد، آية، هدى، أشرف، ابطال الفيلم جمعهم عالم الصم، فهم كغيرهم من الناس يحسون ويحبون ويتألمون، ويعيشون معاناة القطاع من عدوان وحصار، ولديهم أحلامهم الخاصة التي عبر بعضهم عنها وكان أبرزها تطلعهم إلى المساواة مع الذين يتكلمون ويسمعون.

قدرات عالية

وبحسب كبير الصم في غزة هاشم غزال فان الاصم يملك قدرات عالية في التخطيط والتصميم، وصاحب أفكار وإبداع وتركيزه يكون على الفن والتطريز.

فكونه لا يتكلم ولا يسمع، لم يمنع علاء النحال من محافظة رفح من العمل سائق أجرة وإعالة بناته الأربع وولده وهو يحمد الله على هذه النعمة، إضافة إلى أنه يمارس هواية أخرى تتمثل في تعليم التمثيل والفكاهة والمسرح لمن ينتمون لمجتمع الصم. وقد ظهر علاء خلال الفيلم في جمعية الأمل لتأهيل المعاقين برفح، حيث يقوم علاء بتمثيل أحد المشاهد، ويتساءل قائلا «لماذا العالم صامت؟ مشاكل كبيرة». وقد اعتمد المخرج النبيه على الدوبلاج في اخراج الفيلم قبل التصوير وذلك للخروج من حالة الصمت الكبير الذي سوف يسيطر على الفيلم، وللهروب من الفيلم الوثائقي البحت.

ويواصل الفيلم عرض تجارب للاشخاص الصم، فايمان الرنتيسي وشقيقها خضر، هما الآخران يعتمدان على نفسهما ويعملان، فالأولى كوافيرة (حلاقة) والثاني داعية للصم في المساجد، ورغم أن إيمان تقول إنها قوية من الداخل وقادرة هي وأمثالها على القيام بأعمال كثيرة كالخياطة والتطريز والمسرح، فقد عبرت عن تذمرها بسبب ما قالت إنها مضايقات الناس للصم في الشارع.

فنان تشكيلي

ويعتبر محمود المقيد من مخيم جباليا نموذجا حيا للشخص الأصم، فهو فنان تشكيلي يمتهن هذا الفن منذ كان في الرابعة من عمره، يتصور الناس الذين من حوله كشجرة جميلة فيقوم برسمها، كما يكشف هو نفسه لحلقة «أقوى من الكلام». ويضيف أنه يتمنى أن يصبح رساما كبيرا في فلسطين. لكن محمود يشتكي صعوبة الحياة بالنسبة للصم، ويتحدث عن معاناته الخاصة وكيف أنه يذهب للصلاة كل يوم جمعة، لكنه لا يفهم أي شيء مما يقوله الخطيب لأنه أصم. وتتنوع أنماط الحياة في عالم الصم، فهدى شاهين (مدرسة) وزوجها أشرف الموظف في وزارة المالية بغزة كانت بداية حياتهما صعبة جدا، لكنهما صبرا وتحملا ورزقا بأبناء يتقاسمان مشقة تربيتهما.

جرأة

يقول المخرج مصطفى النبيه: ان حديث الفتاة الصماء عن حياتها قبل الزواج وبعده كانت جرأة غير عادية في مجتمع محافظ، وكان لا بد من التطرق للجوانب الاخرى من حياتهم، فمن حقهم الزواج والحب لتستمر الحياة.