الأناقة مطلب الجميع، ولا شك في أن التقنيات الحديثة التي تساعد على غسل الملابس وتجفيفها وكيها بسرعة وأقل جهد ممكن، إلى جانب منتجات تبييض الملابس وتنعيم الأقمشة والمحافظة على ثبات لونها، لها فضل كبير في ما نحن عليه اليوم من مظهر جيد وشياكة لافتة، ولكن ما أسرار أناقة الأسلاف؟ وكيف كانوا يعتنون بمقتنياتهم من الأزياء الشعبية التي تشكل اليوم تراثاً ملبسياً عريقاً في المتاحف؟ وما هي طبيعة المواد التي استخدموها في غسل وتجفيف وإصلاح وتعطير ملابسهم، لاسيما أن الملابس من المتاع الثمين الذي يتطلب عناية فائقة للمحافظة على رونقه وحمايته من التلف.

تبييض

قبل أن يظهر الصابون الصناعي ويعم استعماله، اعتمد أهالي الإمارات، في غسل ثيابهم على شجرة السدر. وفي هذا الصدد، قالت خديجة هلال المعمري محكمة في بطولة دبي العالمية للضيافة: تحتوي النباتات الحمضية مثل السدر، على مواد صابونية، حيث تغلى في الماء أو توضع مباشرة في حوض الغسيل، فتحدث رغوة مثل الصابون تستعمل في تنظيف الشعر والجسم والثياب.

ولأن ملابس الرجال تتطلب عناية خاصة لتحافظ على بياضها الناصع، استعمل الأهالي مسحوقاً أزرقاً يسمى محلياً «جويت» وهو خليط من مادة «النيلة» وحامض الكبريت، الذي كان يجلب من الهند ويستعمل في أوروبا وآسيا، وقالت المعمري: يتم يوضع «الجويت» في الماء النقي، وتغطس فيه الملابس البيضاء بعد غسلها فيضفي عليها بياضاً وبهرة زرقاء تختفي مع مرور الوقت.

وأضافت: «استعمل الأهالي «الرَيت» وهو مادة تنظيفية ذات أصل نباتي تستخدم غالباً في غسل الأصواف، وتساعد على ثبات اللون، كما استعملوا «الضّية» وهي مادة صمغية بنية اللون ذات رائحة نفاذة ورائعة».

آلية الغسيل

أما عن آلية غسيل الثياب، فأكدت المعمري أن المرأة تبدأ عملية الغسيل عادة في الصباح وتنتهي قبل الظهر، وقالت: اعتمدت المرأة في غسل الثياب على مياه «الخِريجَة» وهي بئر تكون في البيوت وتغلب عليها الملوحة، بسبب صعوبة إحضار المياه الحلوة من آبار الشرب، كما كانت تراعي في غسل الثياب رقة الخامة ومتانتها، ثم تنشر الثياب بعد إضافة مواد التبييض على حبل مفتول من ليف النارجيل يسمى «الكِنبار»، وتعلق عليه الثياب دون استعمال «الملاقط» أو «المراص» لأنها لم تكن متوافرة في الماضي.

 وأشارت المعمري أنه تجفيف الملابس كان يتم على الأشجار أو الأرض مباشرة، كما كان بعضهم يغسل ثيابه في برك المياه العذبة المحاذية للآبار، ثم ينشرها على الرمل النظيف، وهناك من لجأ إلى غسل الثياب الخشنة وغير المطرزة على الشاطئ بمياه البحر واستعمل مسحوق «السمحة» لتدليكها وفركها.

كي الملابس

بالطبع لم تكن لدى الأسلاف مكواة كهربائية لتخليص ملابسهم من التجاعيد التي تنتج بسبب عملية التجفيف، ولكنهم اعتمدوا على أساليب بسيطة مثل تمطيط الثوب حتى يستعيد النسيج شكله الأول، وكان البعض يبسطون الثوب تحت الفراش وينامون عليه ليجدونه مبسوطاً عندما يصبحون، وفي ذلك قال حميد إبراهيم عبيد بن بشر مدير جمعية أم القيوين للفنون الشعبية: استعمل الأهالي لاحقاً «المِنحَاز» لكي ملابسهم، وذلك من خلال ملئه بالفحم المشتعل وتمريره على الثوب مع الضغط على ثنياته.

التعطير

وحول تعطير الملابس، أوضح بن بشر أن الأسلاف استعملوا «المدخنة» لتعطير ملابسهم، واستخدموا العود لتعطير ملابس الرجال، ودهن الصندل لـ«تطييب» أثواب النساء، ومزيج العود والعنبر والزعفران لتعطير الملابس السوداء، لأنها لا تتأثر بألوان العطر، و«المخمرية» لتعطير أوقية الرأس، و«اللبان» لـ«تطييب» ملابس الأطفال الرضع وتعقيمها.

الطي والحفظ

أما عن طريقة طي الملابس، فقال بن بشر: تطوى الملابس قبل حفظها بأساليب خاصة تتلاءم مع شكل الثوب وطوله وتسمى عملية الطي بـ«التربيع»، وعن طريقة الحفظ، هناك من كان يضعها في سلال من الخوص تسمى «مرحلة» أو يصرها في قطعة قماش كبيرة تسمى «بقشة»، وكان من الأهالي من يحفظون ملابسهم في صناديق خشبية أو معدنية لا يتجاوز طولها المتر وعرضها 60 متراً، كما كان الصدوق الواحد يفي بالغرض فيحفظ ملابس أفراد العائلة كلهم، ومن أبرز أنواع الصناديق التي كانت مستعملة في الماضي: «سُورتي» و«تِنكة» و«السحارة» و«الكَبت».

ابتكار

سعيد ياقوت جوهر النعيمي أحد أهالي عجمان الحريصين على أناقتهم والمهتمين بهندامهم قديماً، ابتكر وسيلة خاصة لكّي ملابسه تمثلت في ملء قارورة زجاجية بالماء الساخن وتمريرها عدة مرات على كندورته حتى تختفي تجاعيدها.