في حديقة صغيرة، وسط برد قارس اجتمعت عشرات العائلات من مهجري الحرب، متخذة من الحديقة عنواناً دائماً لها بعد أن خسرت كل شيء في الحرب، التي حكمت عليها بالتشرد وعلى بيوتها بالهدم، ذلك يشكل جزءاً يسيراً من مأساة اللاجئين السوريين الذين يطلون في رمضان الجاري عبر مسلسل «بانتظار الياسمين» للسيناريست أسامة كوكش وإخراج سمير حسين، ليبقيك العمل بأحداثه وتقلباته الدرامية في حالة توتر دائمة، فقد أطل على الشاشة عملاً واقعياً إنسانياً، بعيداً عن التجاذبات السياسية، مسلطاً الضوء على المعاناة اليومية للإنسان السوري وتأثير الحرب في طبعه وأفكاره ومسارات حياته. كل ذلك من زاوية اللاجئين الذين أغرقت دموعهم عيون الدراما السورية في رمضان الجاري.

لا يعد «بانتظار الياسمين» الذي تعرضه شبكة قنوات دبي، العمل الدرامي الأول الذي يحاكي فيه أسامة كوكش قضية اللاجئين السوريين، فقد سبق له طرق بابها في مسلسله «حائرات» الذي عرض في رمضان الماضي، حينها جاء طرحه للقضية بشكل مبطن، ويبدو أنه قرر هذا العام أن تكون قضية اللاجئين عنوانه الأبرز في الدراما، لا سيما وأنه عاش مرارة اللجوء أثناء متابعته لتحركات اللاجئين الذين اتخذوا من الحدائق في داخل سوريا مقراً دائماً لهم، هرباً من واقع ومناطق ساخنة، لتبدو الحكايات التي يتناولها العمل حقيقية وواقعية جداً.

حب وخيانة

بين الحب والخيانة ومرارة اللجوء وضنك العيش، تقلب كوكش في سيناريو العمل الذي استغرقت كتابته نحو عامين، معتمداً فيه على خطوط درامية عدة، فعلى غرار شخصية أبو سليم (الممثل غسان مسعود) وعائلته انتشرت في الحديقة عائلات كثيرة، تتشارك مع بعضها الهم والمأساة ذاتها، فمن خلالها حاول كوكش أن يعكس حجم المأساة التي يعيشها اللاجئون السوريون سواء في داخل بلدهم أو خارجها، فهم يفترشون الأرض ويتخذون من السماء غطاءً فيما يفصلون من البرد القارس ملابس يرتدونها لمواجهة الجوع وعدم الأمان.

لتأتي أحلام «أبو سليم» (غسان مسعود) أشبه بأوراق ممزقة، ففي الوقت الذي يعيش فيه على أمل العودة إلى بيته، يظل كاتماً مأساته، فيما نجد على الطرف الآخر شخصية «أبو الشوق» (الممثل أيمن رضا) التي تحاول استغلال تدهور الأوضاع ومأساة العائلات المهجرة لتحقق ما تطمح إليه من ثراء، معتمداً ورفاقه في ذلك على مبدأ «البلطجة والترهيب». وتطل شخصيات «بريمو» (الممثل أحمد الأحمد) و«نزار حارس الحديقة» (محمد حداقي) لتكتشف من خلالها بساطة المواطن السوري وهمه اليومي بالبحث عن الأمان ولقمة عيشه.

على الرغم من أن اللاجئين يشكلون عنوان العمل الأبرز، إلا أن كوكش حاول أن يعكس من خلال أحداثه مختلف شرائح المجتمع السوري، ومدى تأثير الحرب وتداعياتها عليهم اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، لتتحول «الأزمة» إلى زادهم اليومي، مخترقة ذكرياتهم تاركة إياهم يعيشون في حالة مزاجية متقلبة، وهو ما نشهده في شخصيات الشباب وطلبة الجامعات الذين تشعر «كمشاهد» أنهم تائهون بين الحب والسياسة والحصول على الحرية الشخصية واستقلالية الذات، ليبين لنا كوكش أنه حتى أولئك الذين بقوا في بيوتهم، لم تتمكن جدرانها من منع تأثّرهم بالحرب. لتطال التأثيرات العلاقات في ما بينهم، على مستوى العائلة، والمحيط الاجتماعي أيضاً.

واقع إنساني

«بانتظار الياسمين» الذي يلعب بطولته سلاف فواخرجي، وغسان مسعود، وصباح الجزائري، وشكران مرتجى، وأيمن رضا ونادين خوري، ومحمد حداقي، وأحمد الأحمد، ومحمود نصر، وسامر اسماعيل، ومحمد قنوع، ومرح جبر، وخالد القيش، أطل على الشاشة عملاً واقعياً انسانياً، بعيداً عن التجاذبات السياسية، مسلطاً الضوء على المعاناة اليومية للإنسان السوري وتأثير الحرب في طبعه وأفكاره ومسارات حياته. كل ذلك من زاوية المهجرين الذين عاش كثيرون منهم في الحدائق وعانوا كثيراً ليس بسبب ظروف إقامتهم فحسب، بل أيضاً بسبب الذين استغلوا ظروفهم، رغم أنّهم خسروا كل شيء.

الأم الهاربة

بشخصية «الأم الهاربة التي تدعى لمى» تطل الممثلة سلاف فواخرجي بهذا العمل، مصطحبة معها طفلين صغيرين، لتلخص لنا حكاية الحرب ليس في سوريا فقط وانما في أي مكان، فسلاف تلعب دور لمى التي يخرج زوجها ليشتري ربطة خبز، ولم يعد. فتضطر إلى الهروب من إحدى المناطق الساخنة التي كانت تقيم فيها نحو الحديقة، وأصبحت بلا معيل ومن دون أهل، وليس لديها أحد إلا الأمل بعودة الزوج (تيم) إليها وإلى طفليها سهيل ونور. ولا تنتهي آلامها عند هذا الحد، بل تبدأ حكايتها مجدداً في زمنٍ يسوده الشقاء والاستغلال.