يتحاشى سكان مدينة بيروت، عاصمة لبنان الذي يعيش منذ قرابة 400 يوم فراغاً رئاسياً ممتداً، استخدام الأسماء الرسمية للمناطق والأماكن، مستدلين على وجهتهم فيها بخارطة من نوع آخر، تعتمد على وصف المواقع بالإشارة إلى معالم غابت فعلياً عن الخارطة، كدور سينما أو مسارح دمرتها الحرب، ومسحتها إلا من ذاكرتهم، في حين تستمد الساحات أسماءها من الأنشطة التي تمارس فيها، وليس مما تعتمده البلدية لها.
وأشارت صحيفة «غارديان» اللندنية، في تقرير لها نشر أخيراً، إلى هذا الواقع التخطيطي للمدينة العاصمة بنشر صورة لبيروت المكتظة عمرانياً وسكانياً، وإرفاقها بتعليق مقتبس، مفاده: «هناك عادةً نظام واضح جداً، ما عليك سوى فهمه».
ونقلت الصحيفة عن مصادرها في بيروت أنه في يوم من بعد ظهر السبت، حيث جذبت فعالية فنية حشوداً من الناس إلى أحد «أدراج» بيروت العتيقة، سُمعت فتاة تتحدث عبر الهاتف، وتزود متلقيها باتجاهات تدله على مكانها فتقول: «أتعرف ذاك المتجر الصغير عند الزاوية حيث يستلقي الكلب عادةً؟ سأوافيك هناك». وتقفل الخط، وتجلس منتظرةً بجانب كلب صيد هرم نائم تحت أشعة الشمس، وهي تدرك تماماً أن تلك الإرشادات المكانية البسيطة المستندة إلى ذكر هامشي لمتجر قريب أكثر من كافية لإيصال رسالتها.
وإذا حاولت أن تحدد أي موقع في قلب العاصمة اللبنانية، فإن الجواب النموذجي الذي ستسمعه ينطوي حتماً على الإشارة إلى تفاصيل وأماكن، وليس أسماء الشوارع أو أرقامها. وسواء كنت تزور صديقاً للمرة الأولى، أو تحاول الوصول إلى مكتب أحدهم، فالرهان الأفضل يبقى في العثور على معلمٍ ما يرشدك إلى وجهتك، لا الاعتماد على العناوين الرسمية، التي إن وجدت فعلاً فلن تكون ذات جدوى لعدم استخدام الناس لها في الواقع.
أما المعالم، فيمكن أن تتخذ أي طابع وتندرج تحت مختلف المسميات، بدءاً بالأبنية الملفتة للنظر كفندق «الهوليداي إن» الذي هشمت الحرب الأهلية معالمه، أو مبنى مؤسسة كهرباء لبنان الذي لم تبصر لافتته النور يوماً، وصولاً إلى المتاجر المشهورة والمطاعم الشعبية التي تنتشر بعشوائية أقل من كلب السلالم، وتعتبر بشكل مواز مواقع استدلال استراتيجية.
لغة الإرشادات
أضف إلى ذلك أن بعضاً من تلك المعالم المفضلة لدى البيروتيين قد تكون محيت منذ زمن من الخارطة الفعلية، وبات وجودها يقتصر حصراً على كونها نقاطاً جغرافية مرجعية، كمسرح المدينة القديم الذي لم يعد موجوداً أصلاً إلا على شكل مسرح المدينة الجديد الذي يبعد 20 دقيقة فقط عن المكان المقصود في لغة الإرشادات المكانية.
وكانت إحدى شركات التخطيط اللبنانية قد طرحت منذ بضع سنوات فكرة تصنيف معالم بيروت ضمن فئات تتوزع من ألف إلى دال، على أن تكون تلك المدرجة ضمن الفئة دال بحكم «الميتة» أو «العرضة للإزالة في أي وقت» كالأشجار واللافتات مثلاً. بطبيعة الحال تلك المراجع لا تعني بالنسبة للوافدين الجدد والسياح المؤقتين سوى القليل، وهو ما أكده باهي جبريل الذي انتقل من لندن عام 2005 للعيش في بيروت، وأدرك أنه لا يستطيع الذهاب إلى أي مكان دون أن يضل الطريق، وهو يقول في هذا الصدد: «لقد قررت أن أبدأ بتخطيط شوارع المدينة، وقد اعتدت رسم خرائط الأماكن منذ كنت صبياً، بدءاً بالملاعب ووصولاً إلى المشاريع التي كنت أعمل عليها. علماً أن بيروت لم تخضع للتخطيط منذ السبعينيات، والأهم أن النقاط المرجعية المحلية لم تكن موسومة قط».
وهكذا قصد جبريل كل حيٍّ في المدينة، فانطلق من الضاحية جنوباً إلى مدينة الضبية الواقعة على الساحل الشرقي للعاصمة. وكانت محطته الأولى تبدأ دوماً من مركز البلدية المسؤول عن جمع الضرائب واستيفاء الرسوم من الشركات المحلية، نظراً لمعرفته بأسماء المعالم جميعها.
وقال جبريل: «وهكذا واظبت على سؤال أصحاب المحال والمسنين الجالسين في المقاهي على الأرصفة، وحصلت بعد عشر سنوات من الأحاديث على معلومات غدت قاعدة البيانات التي لدينا اليوم».
وتقول سارة السباعي، العاملة في مجال التخطيط المدني، إن الأماكن المكتظة وغير الرسمية في المدن قد تبدو بعيدة عن التنظيم، إلا أنها غالباً ما لا تكون كذلك. وتضيف: «يتعلق الأمر بكيفية معرفة طريقة سير الأمور في المدينة. عادةً ما يكون هناك نظام واضح جداً، وكل ما عليك هو أن تفهمه. ففي المدن هناك تراتبية معينة للشوارع التجارية والسكنية، حيث تستقي الميادين أسماءها من طبيعة النشاط الموجود فيها. وما إن تدرك هذا الواقع حتى يصبح التنقل سهلاً»
زواريب
سرعان ما تحولت مهمة باهي جبريل في الاستدلال على الطرق إلى مشروع «زواريب»، وهو اسم الشركة المشتق من الكلمة العربية التي تعني الممرات الضيقة. وقد توسعت الشركة ، وباتت تصدر كافة أنواع الخرائط .
وأوضح جبريل الأمر : «لقد كانت المعلومات متوفرة لدى وزارة المواصلات والنقل، إلا أنه لم يخطر لها أنها قد تكون مفيدة. فقمنا برسم خريطة سير الحافلات . إليك، مثلاً، شارع يعرف رسمياً بشارع بعلبك، إلا أن الجميع يسميه شارع الكومودور، وذلك نسبة إلى سينما الكومودور التي لم يعد لها وجود».
