بعد احتجاجات نسائية واسعة النطاق، أطلق، أخيراً، سراح الناشطات الصينيات الخمس في مجال حقوق الإنسان بعد أن وجهت إليهم السلطات الصينية تهمة «تنظيم الحشود للإخلال بالنظام العام»، إلا أن الناشطات، وهن واي ينغتينغ، وانغ مان، زينغ تشوران، لي تنغتنغ، وو رونغرونغ، بقين، على الرغم من التحرر من قضبان السجن غربي بكين، والدعم الدولي الذي حظين به من هيلاري كلينتون وقادة سياسيين آخرين، مجرمات في عيون النظام القضائي في الصين.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، في تقرير نشر أخيراً، أن النساء المحررات ممنوعات من السفر، قبل عام واحد من دون إعلام الشرطة، حسب ما ذكر المحامون، الذين أكدوا أنه يمكن اعتقالهن مجدداً في أي وقت، أو استدعاؤهن إلى المخافر للتحقيق.

وكانت الناشطات الخمس قد أطلق سراحهن بكفالة مالية، لأن النيابة العامة لم توجه إليهن أي تهمة، إلا أن استمرار الضغوط ووضع تحركاتهن قيد المراقبة يعنيان أن القوات الأمنية بقيادة الرئيس الصيني شين جينبينغ، وزعيم الحزب الشيوعي قد ضيقت الخناق مجدداً على الخطاب والنشاط المدنيين، وعلى قضايا لا تهدد الحزب علانية، بل تظهر إلى أي مدى يمكن للمسؤولين الصينيين الذهاب في خنق الحركات الشعبية.

نجاح هائل

وقالت مايا وانغ، الباحثة في مجال حقوق الإنسان في آسيا من قبل منظمة «هيومن رايتس ووتش»: « بعد أن حقق نشاطهن نجاحاً هائلاً في جذب الانتباه العام والتأثير على السياسة العامة، من المرجح أن يكون تصنيف هذا النوع من الحملات ب(الحساسة) أن يسبب نكسةً لحركة حقوق النساء، لبعض الوقت على الأقل.»

وتعتبر الناشطات الخمس في الصين قائدات الجيل الجديد من الحركة النسائية التي تدفع باتجاه المساواة بين الجنسين، لكن السؤال الأهم يبقى ما إذا كانت أولئك النسوة والرفاق والمؤيدين سيوقفون نشاطاتهم بدافع الخوف، سيما وأن أجواء القلق تسيطر على الناشطات منذ شهور. وتخشى السلطات من أن تكون تلك الأنواع من المجموعات تروج لأفكار تعتقد أنها كانت وراء الثورة الثقافية الحمراء في الصين الشيوعية، وأحداث العالم العربي أخيراً.

وقد شبهت وانغ حادثة قمع النساء بما حصل لحركة المواطنين الجدد، وهي حملة شعبية مستلهمة من محامي حقوق الإنسان البارز في الصين شو زيونغ، الذي دعا إلى اعتماد الشفافية في الحكومة، قبل أن يتم القضاء على حركته من قبل إدارة جينبينغ.

وقالت وانغ، المقيمة في هونغ كونغ في شأن الناشطين لا تريد القيادة الصينية بروز أية مبادرات مدنية لا تستطيع السيطرة عليها. بل هي تريد أن تحتل مقعد السائق في عربة الإصلاحات.

أو بكلام آخر، الإصلاحات من القمة إلى القاعدة هي الإصلاحات الوحيدة المقبولة، سواء كانت إصلاحات قانونية، اقتصادية، أو حملات مناهضة للفساد وإلى ما هنالك من أمور. إلا أن المبادرات المنطلقة من القاعدة إلى القمة، فيتم التعامل معها دوماً بارتياب كامل، وأكثر من أي وقت مضى اليوم.

وأكدت وانغ زينغ، أستاذة التاريخ والدراسات النسائية في جامعة ميتشغان بآن آربور، أنها رأت الدعوة لتنظيم الحملة للمرة الأولى عبر تطبيق «وي تشات» الذي تستخدمه الناشطات.

حادثة تاريخية

وكانت وانغ من بين أولئك الذين رأوا بعض علامات الأمل في مسار تطور قضية الناشطات الصينيات الخمس، وقالت، أخيراً، ضمن سلسلةٍ من رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة، إن واقع إطلاق سراح الناشطات بدلاً من إدانتهن بارتكاب جرائم موجهة إليهن «يشير بوضوح إلى وجود مسؤولين في النظام دفعوا بقوة نحو التوصل إلى حلّ إيجابي للقضية. ينبثق عن هذه الحادثة التاريخية ولادة مجموعة تأسيسية من الناشطات الشابات، اللواتي يحظين بقدرات قيادية، والتزام حقيقي بالعدالة الاجتماعية.»

وأضافت وانغ بناءً على ذلك، إني أعي تماماً التحديات الهائلة التي ستواجه الناشطات المؤيدات للمساواة، وطالما أن نشاط المنظمات غير الحكومية المؤيد لتطبيق القوانين المتعلقة بالمساواة بين الجنسين، أو أي قضية أخرى يصنف في خانة الأعمال الجنائية، فلن تكون هناك منطقة آمنة للنشاطات والناشطين في أي مجال من مجالات العدالة الاجتماعية.

وقال صوفي ريتشاردسون، مديرة مكتب منظمة «هيومن رايتس ووتش» في الصين فيما يتعلق بمواصلة اعتماد العدائية القصوى من قبل حكومة جينبينغ حيال المجتمع المدني الحر، فإن المحاكمة القانونية تخدم هدفين اثنين يكمن أولهما في إحباط الأنشطة، بغض النظر عن مدى قانونيتها، واعتدالها وسواء تم الحديث عنها في الإعلام أو لا، كما أنها تترك الناس في حيرةٍ من أمرهم حيال الخطوط الحمر الموضوعة لتحدي الحكومة.

غدا المسؤولون أكثر قلقاً من الناشطين الشعبيين، لقدرتهم على استخدام شبكات وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الهواتف المتحركة لحشد الجماهير وتنظيم التظاهرات بسرعة. وقد عمدت الناشطات الخمس على سبيل المثال، إلى توجيه حركة الشارع وقيادته منذ العام 2011، ضمن ممارسات تراوحت بين احتلال المراحيض العامة الخاصة بالرجال، كوسيلة للدفع باتجاه إنشاء المزيد من المراحيض الخاصة بالنساء ضمن حملة «احتلال المراحيض»..

وصولاً إلى ارتداء فساتين زفاف ملطخة بالدماء المزيفة لجذب اهتمام الشارع الصيني إلى حالة إساءة معاملة النساء، والعنف الأسري. لقد لجأت الناشطات إلى استخدام تطبيق المراسلات الشهير «وي تشات» لتنظيم حملة ضد التحرش، التي كان من المقرر انطلاقها في جميع أنحاء البلاد في الثامن من مارس الماضي، موعد الاحتفال بيوم المرأة العالمي.