بات مستقبل الصحافة الورقية وملامح تشكل الإعلام الجديد، الشغل الشاغل في أروقة المؤسسات الصحفية وصناع القرار في العديد من دول العالم، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية التي أطاحت بمؤسسات إعلامية عريقة ذات جذور راسخة ويمتد عمر بعضها أكثر من قرن ونصف القرن من الزمان. وهناك من يقول إن الصحف الإلكترونية هي السباقة في التحديثات الخبرية على مدار الساعة.
وتغطية الأوضاع في البؤر الساخنة على وجه السرعة، إلا أن الصحافة الورقية استعادت نشاطها وبدأت بإصدار ثلاث طبعات في اليوم الواحد لتلاحق تلك الأخبار المتلاحقة والمتطورة التي ترد عبر الصحف الإلكترونية في تحد قوي وعبر منافسة شرسة. دار نقاش مستفيض بشأن واقع الصحافة بشقيها وذلك خلال منتدى الإعلام العربي لدورته الثامنة الذي عقد أخيرا في العاصمة الأردنية عمّان.
وقد طرح سؤال مهم له دلالاته ويتمحور حول قدرة التقنية الحديثة على تغيير طرق توزيع الصحف والأخبار، واستخدام الإنترنت أيضاً وإن كان بنسب كبيرة تختلف عن الورقية. فهل تستطيع استبدال المؤسسات الصحافية الكبرى التي تقوم بجمع الأخبار واستقصائها وتحريرها، والتي من دونها لن توجد محتويات للتوزيع على الإطلاق. ف
في كتاب الصحافة الإلكترونية للكاتب زيد منير سليمان ذكر أن الصحف الإلكترونية لن تستطيع اللحاق بركب الصحف المطبوعة حتى سنة 2017، وذلك على افتراض أن الورقية ستظل تنمو بالقدر نفسه حاليا أي بمقدار 3% فقط سنوياً.
وقال من الناحية الواقعية لا يزال أمام الصحف الإلكترونية سنوات عدة حتى تصل إلى التنافس مع اقتصاديات الإعلام القديم، الممثل في الصحف المطبوعة والتلفاز، حتى في ظل انخفاض تكاليف توزيعها مقارنة بالصحف. وعلى الرغم من أن عدد قراء الصحف في تناقص، إلا أن معدل استهلاك المعلومات يتزايد.
وقد ذكر تقرير مؤسسة نيمان الذي يصدر بصفة دورية عن مؤسسة نيمان للدراسات الصحافية التابع لجامعة هارفارد أن كل المؤسسات الصحافية تقريباً في العالم، أصبح لها مواقع على الإنترنت، والذي بات إضافة جديدة إلى قدراتهما وخصائصهما في جذب جماهير جديدة وشركات متجددة لوضع إعلاناتها في تلك المواقع. نجد ان نكهة استخدام الصحف المطبوعة تبقى رمزاً عصيا على الانقراض.
خطوة مردوخ
بدأ إمبراطور الإعلام روبريت مردوخ الأسترالي الجنسية خطوة جريئة في عالم الصحافة الإلكترونية في المؤسسات الاعلامية الغربية، عندما اتفق مع مدير شركة آبل الراحل ستيف جوبز، بإصدار صحيفة ذات مواصفات رقمية ولجأ لتحميلها على أجهزة آي باد..
وأطلق عليها اسم «ذي ديلي»، وصدرت الصحيفة قبل أشهر وهي تُحمل على الأجهزة الإلكترونية لتكون أول صحيفة مصممة خصيصاً لأجهزة الكمبيوتر اللوحي...
وكان مردوخ يعتقد ان تلك الخطوة التي قام بها عبر جهاز آي باد، سوف تمكنه من تغيير قواعد اللعبة الصحافية، وانه يتوقع بأنها ستقود لمبيعات سوف تصل مع نهاية العام المقبل إلى 40 مليون جهاز، الأمر الذي سيدفع وسائل الإعلام الورقية إلى إعادة حساباتها على حد قوله.
العرب والإنترنت
في العالم العربي كشفت دراسة علمية متخصصة أن الصحافة الإلكترونية لا تتماثل مع النمو الهائل للمنشورات الإلكترونية عالمياً، وخاصة في ما يتعلق بتناسب تلك الأرقام مع أعداد الصحف العربية وعدد السكان. وقد اتضح تواضع نسبة عدد مستخدمي الإنترنت قياساً إلى العدد الإجمالي للسكان في الوطن العربي..
ونظرا لوجود ضعف في البنية الأساسية لشبكات الاتصالات، وبعض العوائق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وربما السياسية، ما أدى إلى تأخر الاستفادة من خدمات شبكة الإنترنت، ما أثر بشكل رئيسي على سوق الصحافة الإلكترونية.
المنافسة مستمرة
أعضاء هيئة التدريس بقسم الإعلام في بعض الجامعات الأردنية كانت لهم آراء أكدوا خلالها على بقاء الصحف المطبوعة وان المنافسة سوف تستمر مع الإلكترونية وستبقى الورقية صامدة عبر الابتكار والتجديد.
وأشار عضو هيئة التدريس في قسم الإعلام الدكتور بكر إبراهيم، إلى أن الصحف المطبوعة تأثرت جداً بظهور الإلكترونية، وإذا استمر التطور الماثل حاليا فسوف يكبد الصحافة الورقية الكثير من الخسائر والمشاكل، إلا إذا حاول المسؤولون عنها مضاعفة الجهود لتحسين طريقة تقديم الأخبار بشكل مبتكر تغلب عليه براعة التناول وحداثة الفكرة وتطور المضمون مع اناقة الشكل.
فالتجارب السابقة علمتنا أن ظهور وسيلة جديدة لا يلغي القديمة، وذلك ما حدث بظهور التلفاز الذي لم يلغ الإذاعة بل أصبح مكملا لها. فالصحافة المطبوعة سوف تستمر مهما تطورت واستمرت الصحف الإلكترونية وبات لها الكثير من المعجبين، والصحافة الورقية هي عادة يومية، فالكثيرون يتمسكون بعاداتهم بتلمس الجريدة وتصفح أوراقها حيث يجدون في ذلك متعة لا تضاهى.
آية الزمان
دافع الاعلامي الدكتور عبدالكريم العطر عن الصحافة الإلكترونية وقال انها آية هذا الزمان عبر الإنترنت والمواقع الإلكترونية، ورغم ذلك فإنها لن تستطيع أن تلغي الصحف المطبوعة، حيث بقيت الورقية كما بقيت الإذاعة تجاه التلفاز. وبالطبع لكل وسيلة مميزاتها وسلبياتها، فالإلكترونية لا بد من أن يتوفر لك جهاز حاسب آلي وخدمة الإنترنت وغيرها من الأمور، عكس الورقية التي لا تحتاج لكل تلك الأمور..
فمجرد ريالين تستطيع أن تقلب بها الصحيفة من صوب لآخر وتحتفظ بها والذهاب بها إلى أي مكان بكل يسر وسهولة، وكل شخص يستعمل الوسيلة التي تناسبه ويجدها سهلة، فجيل الشباب الحالي يجد في متابعة الأخبار عن طريق الفضاء الإلكتروني الأسلوب الأفضل والأسهل، عكس الجيل السابق جيل الآباء والأجداد الذين يستمتعون بالتعاطي مع ورق الجريدة وإدمان رائحته الحبرية الرائعة.
