حشد الكرملين ألوفاً من الفنيين والاختصاصيين في العلاقات العامة وأدوات التواصل الاجتماعي للقيام بإدارة حسابات مصطنعة على موقعي فيسبوك وتويتر، وإرسال سيل من الرسائل التي تحمل دعاية مؤيدة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وذلك في الوقت الذي كشف خبراء بأجهزة المخابرات الروسية النقاب عن أن الرئيس الروسي كان مريضاً على امتداد تسعة أيام من مجمل الأيام الأحد عشر التي اختفى فيها عن العيان في شهر مارس الماضي.
وذكرت صحيفة «ديلي تلغراف» اللندنية أن جيشا بكامله من الفنيين، الذين يتقاضى الواحد منهم 500 جنيه استرليني شهريا مقابل العمل 12 ساعة كاملة، تشكل نوبة عمل يقوم خلالها بإرسال 130 تعقيبا مؤيدا لبوتين، عبر حسابات مصطنعة على موقعي فيسبوك وتويتر.
توزيع الأدوار
وأوضحت الصحيفة أن هؤلاء الفنيين يعملون في ظل ظروف صارمة يفرضها الكرملين، ويحظر عليهم في إطارها أن يتحدث أي منهم إلى الآخر، أو تربطه به أواصر الصداقة.
وأشارت إلى أن أحد العاملين السابقين فيما يعرف بمركز أبحاث الإنترنت قد كشف النقاب عن الكيفية التي يتعين بها على هؤلاء الفنيين كتابة ما يزيد على 130 تعقيبا مؤيدا لبوتين خلال نوبة العمل الواحدة وإلا تعرض للطرد من وظيفته.
وأوضح مارات بيركهارد، الذي أشارت إليه الصحيفة، كيف أن هذه العملية التي تتخذ مقرا لها أحد المباني في مدينة سان بطرسبرغ تشمل العمل على مدار 24 ساعة في اليوم، ويقوم العاملون بالعمل غالبا في شكل فرق كل منها تضم ثلاثة فنيين.
وقال بيركهارد: «يلعب أحدنا دور الشرير، أي الشخص الذي يختلف مع الأغلبية وينتقد السلطات، وذلك لإثارة شعور بالمصداقية حيال ما نقوم به».
وأبلغ بيركهارد راديو أوروبا الحرة بقوله:« يقوم الشخصان الآخران بالنقاش معه، ويتم إيجاد إيحاء بالنشاط الفعلي في إطار هذه المناقشات».
وكشف بيركهارد كذلك النقاب عن الكيفية التي ينطلق بها هو وزملاؤه إلى مقر عملهم للعمل بعد إطلاق تقرير عن الرئيس الأميركي باراك أوباما، على سبيل المثال، وقال:« إنك تحتاج إلى كتابة 135 تعليقا حول هذا الموضوع، وتحرص على أن تكون صريحا فيما تعبر عنه، حيث قيل لنا اكتبوا أي شيء تريدونه، ولكن احرصوا على إيراد كلمة أوباما كثيرا وأغرقوها بالدعاية السلبية».
وفي مناسبة أخرى، قيل له إنه يتعين عليه أن يعلق على أحد المواقع، ويشير إلى أن غالبية الألمان يؤيدون بوتين وسياساته، وأنهم ليسوا سعداء بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
كلمات رئيسية
وأشارت «ديلي تلغراف» إلى أنه داخل موقع العمل الفريد هذا لا يستهدف العاملون المواقع الروسية وحدها، وإنما يستهدفون مواقع في مختلف أرجاء العالم بما في ذلك إنجلترا.
ويعطى العاملون في هذا المركز كلمات رئيسية لا بد لهم من التأكد من أن كل موقع عهد إليهم به سيتم إمطاره بهذه الكلمة. ويواجه هؤلاء العاملون عقوبات من المدير إذا غابت هذه الكلمات عن تعليقاتهم، ويتعين على هذه التعليقات أن تجعل بوتين يبرز في ضوء أكثر إيجابية، بالمقارنة بنظرائه الغربيين.
وقد ترك بيركهارد، الذي يعمل الآن مدونا، عمله بعد شهرين من العمل على جهازه يصفهما بأنهما كانا شهرين من العبودية، ويقول:« لقد خلصت إلى أنني لا يمكنني الاستمرار أكثر من هذا في هذا الجهد العبثي، فالاستمرار فيه لم يكن له معنى بالنسبة لي، وإنما كان كل شيء فيه كان عبثياً تماماً».
وقارن بيركهارد بين عمله في المركز الروسي وبين وزارة الحقيقة في رواية جورج أورويل الشهيرة بعنوان «1984»، وقال إننا نعمل في وزارة الحقيقة التي لا تعدو أن تكون وزارة الأكاذيب.
سر الاختفاء
ومن ناحية أخرى ذكرت صحيفة «تايمز» اللندنية أن مجموعة من الشخصيات الاستخباراتية الروسية قد أبلغت نظراء أميركيين لهم بأن الرئيس بوتين قد سقط مريضا في الفترة التي اختفى خلالها على امتداد 11 يوما عن العيان..
وهي الفترة التي أسدل الكرملين فيها ستارا من الصمت حول كل ما يتعلق ببوتين، ولم يكشف النقاب عن مرضه لتجنب ظهوره بمظهر الضعف، وللحيلولة دون المقارنة بينه في أجهزة الإعلام الغربية وبين الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، الذي عرف بفقدانه القدرة على السيطرة على سلوكه في أواخر ايام رئاسته.
وقالت صحيفة «تايمز» إن هذا التفسير، الذي لم يحدد فيه مسؤولو المخابرات الروس مرضا معينا أصيب به يلتسين، قد هدأ عاصفة التكهنات التي ثارت حول غياب بوتين، حيث تعددت الشائعات حول أنه أصيب بأزمة قلبية، أو حتى أنه توفى، أو انطلق مسرعا ليمكث إلى جوار صديقته بطلة الجمباز الروسية الأولمبية السابقة، التي زعمت عدة صحف أوروبية أنها دخلت مستشفى للولادة في سويسرا.
وقد أبلغ رجال المخابرات الروس وهم من المسؤولين المتقاعدين أساسا نظراءهم الأميركيين بهذه المعلومات خلال اجتماع عقد أخيرا لما يعرف باسم «مجموعة إلب»، وقال أحدهم: «كان بوتين مريضا، وهذا هو السر في اختفائه لفترة قصيرة عن العيان أوائل مارس الماضي».
ثقافة الحياة السياسية
ونقلت صحيفة تايمز اللندنية عن المسؤول الروسي السابق قوله: «لقد أصر بوتين على أنه يسيطر على كل شيء بحزم، وأعرب عن أسفه لأن ثقافة الحياة السياسية في روسيا لم تتطور بما فيه الكفاية لكي تتمكن من الإقرار بأي مرض أو ضعف يتعرض له زعماء روسيا، ويرجع ذلك في جانب منه إلى الطريقة المحرجة التي قـُدم بها الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين في وسائل الإعلام الغربية».
