حول أبرز القادة السياسيين البريطانيين مطابخهم إلى ساحة للجدل السياسي، واتخذ كل منهم من مطبخه متراساً يطلق منه الاتهامات، ومقراً يطهو فيه على نار الانتخابات العامة البريطانية التي أصبحت على الأبواب مقادير صورته «الإنسياسية»، ويبتكر أطباقاً لا تخلو من بهارات السبق الانتخابي..

وملحه الكيدي. وقد اتخذ، أخيراً، كل من رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والمرشح المنافس إد ميليباند، زعيم حزب العمال البريطاني، دور البطولة في آخر حلقات هذا المسلسل العجيب، الذي تشكل الانتخابات المقبلة حلقته النهائية.

وأفادت صحيفة «تايمز» البريطانية، في تقرير نشر أخيراً، أن الظهور «المطبخي»، بات يشكل، في ظاهرة بريطانية ليست بالحديثة، أحد المكوّنات الأساسية في برنامج السياسيين الانتخابي، الذي ينكّه حياة البريطانيين، مع كل دورة انتخابية جديدة.

فبدءاً برئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر، مروراً برئيسي الحكومة الأسبقين توني بلير وغوردن براون، وصولاً إلى رئيس الوزراء الحالي، ديفيد كاميرون، ومنافسه إد ميليباند، بدا الفوز في الانتخابات العامة البريطانية مرهوناً بنوعية المطبخ، وإلمام كبار طهاة السياسة بتحضير كوب شاي أو تجفيف الصحون.

مخاوف جوستين

في حين حفلت الأسابيع الأخيرة بالحديث عن مطبخ ميليباند الثاني، تصدر عناوين الأخبار في بريطانيا كلام عن مطبخ كاميرون الأول. وفي رشق من الاتهامات المتبادلة قال ميليباند: «لقد دفعت على الأقل ثمن المطبخ من مالي الخاص، خلافاً لوزير التعليم البريطاني السابق». وذلك في تلميح إلى مايكل غوف. إلا أن ردّ كاميرون التهكمي جاء سريعاً، حيث قال: «إن لم يكن يحتمل الحرارة، فليخرج من أحد مطبخيه».

وكانت أخبار مطبخ ميليباند، أو مطبخيه بالأحرى، قد دخلت حيز التداول الإعلامي عقب صورة بريئة له، ظاهرياً، مع زوجته جوستين، التقطتها لهما «بي.بي.سي» ، وهما يحتسيان الشاي في مطبخ منزلهما الواقع في شمال لندن. وقد بدا المطبخ متواضعاً نسبياً، ووصفته الصحافية سارة فاين من صحيفة «ديلي ميل» البريطانية بـ«الغرفة الموحشة الصغيرة، التي تفتقر للألوان والذوق».

وحاول ميليباند أن يخفف من حدة الجدل القائم حول تعمّده الظهور من المطبخ الصغير الأقل فخامةً الآخر في المنزل البالغة قيمته مليوني جنيه استرليني، بالتشديد على أن هذا هو المطبخ الذي يستخدمه، وقال: «المنزل الذي اشتريناه يحتوي على مطبخ كبير في الأسفل، لكنه ليس المطبخ الذي نستعمله، بل الأصغر الذي يقع في الطبقة العليا هو ما نستخدمه أنا وزوجتي جوستين».

وكانت جوستين نفسها قد أبدت تخوفها من أن تصبح الحملة التي تشن ضد زوجها استعداداً للانتخابات «شريرة فعلاً»، وأجابت على سؤال حول كيفية التعامل مع الهجوم الشخصي على زوجها بالقول: «أعتقد أن الأمور ستزيد سوءاً، لتصبح أكثر شراً وشخصانية، لكني مستعدة للمواجهة. وأظن أن الأمر يتخطى شخص إد، ويتعلق أكثر بما إذا كان للمصداقية والمبادئ أي اعتبار في الحياة السياسية البريطانية».

المطبخ الكاميروني

وأطل، في سياق ذي طابع انتخابي مشابه، ديفيد كاميرون وهو يحضر سلطة السردين من مطبخ منزله، الذي قالت عنه كلير بيتريدج، مديرة شركة «آر.إف.آر» للعقارات والتصميم الداخلي: «ما عاد أحد يرغب لمطبخه أن يحمل توقيع مصمم ما بشكل سافر، فالأمر يتعلق بالخصوصية وسرية حجم الثروة».

وتابعت: «يحمل مطبخ عائلة كاميرون توقيع شركة (راوند هاوس) المتخصصة في صناعة المطابخ العصرية، التي تتراوح بين المتوسطة والفاخرة. وأراهن أنه من اختيار زوجته سامانتا، وتبلغ كلفته حوالي 30 ألف جنيه استرليني، لأنه صغير الحجم.

ويدل على أن الناس الذين يستخدمونه يهتمون بالعائلة، ويطهون كثيراً، ويمضون وقتاً طويلاً داخل المطبخ. ويمكن معرفة ذلك من طريقة اصطفاف الرفوف المفتوحة وسهولة الوصول إلى الأغراض. إلا أنك تجد بعض الأدوات المميزة كذلك: بدءاً بالفرن المرتب، والثلاجة الفاخرة، وكل منها يخبر قصة، ولا يقف في مكانه ليبدو جميلاً وحسب».

ويعج المطبخ الكاميروني بقوارير كثيرة من حبوب الفيتامينات، وحبوب بن من نوع «كارت نوار»، وزجاجات الشراب في الثلاجة، ومزهرية زجاجية مليئة بالشموع الصغيرة، ويطالعك أيضاً معجون وفراشي الأسنان، التي تثير تساؤلات غير العارفين عن سبب وجودها هناك، لكن الأهل يدركون أنها الطريقة الأمثل لتسريع عملية انطلاق الأولاد إلى المدرسة، بعد تناول الطعام.

أما خزانة المؤن الضخمة، فتقول بيتريدج عنها إنها: «تشكل الرفاهية الأقصى للطبقة المتوسطة. والجميع يريد اقتناء واحدة، لكنها تحتل مساحةً كبيرة. إنها تعيدنا بالذكرى، نوعاً ما، إلى التربية الريفية التي يتمتع بها الزوجان، إلا أنها تشكل مجدداً دلالةً على شخص يهتم لأمر الطعام».

الثلاجة والمهملات

يحفل باب ثلاجة المطبخ بصور العائلة، والأحرف الممغنطة، إلا أن طريقة توزيعها مثيرة للريبة: فلماذا تحتشد جميعها عند أعلى باب الثلاجة، حيث لا يمكن للأولاد الوصول إليها؟ لا سيما أنهم هم من يستخدمونها وليس كاميرون أو زوجته. هناك احتمالان لذلك:

فإما أنها فكرة سامانتا، في لمسةٍ نهائية، حيث نظرت إلى الأسطح وقررت ترتيبها على هذا النحو بعد أن أحدث ديفيد فوضى عارمة في المكان، أو أن أحد الأولاد تهجأ كلمةً ما بشكل خاطئ، فتقرر رفعها إلى الأعلى منعاً لحدوث أخطاء.

وخلافاً لمطبخ إد ميليباند «الثاني»، الذي يستعرض بوضوح سلة مهملات خضراء عديمة الذوق، اختارت عائلة كاميرون سلة مدمجة مخفية من تصميم «راوند هاوس» كذلك.