إشكاليات عدة لا تزال الدراما العربية تواجهها على الرغم من مرورها سنوياً بميدان المنافسة الذي تقيمه لها القنوات الفضائية قبيل عرض أعمالها في شهر رمضان المبارك، ليجد المشاهد العربي نفسه خلال هذا الشهر أمام عشرات الأعمال الدرامية القادمة من مصر ودول الخليج وسوريا التي اعتادت الهيمنة على مائدة المشاهد العربي، طارحة قضاياه وهمومه المختلفة والتي لأجلها تسعى الدراما العربية سنوياً على تطوير أدواتها بدءاً من الإخراج إلى التمثيل وصولاً إلى أماكن التصوير.

وبالنظر إلى أهمية ما تقدمه الدراما العربية فقد خرجت من مفهوم التوعية العام، لتتحول إلى سوق تجارية تتحكم فيها القنوات التلفزيونية والمنتج المنفذ بالإضافة إلى المعلن، وهو ما أدى إلى ارتفاع منسوب ميزانياتها إلى أرقام خيالية، بدا توفيرها يتطلب استدعاء الإنتاج العربي المشترك الذي لا يزال يتلكأ في مسيرته على الرغم من وجود نماذج درامية عدة حققت نجاحاً ملحوظاً على أرض الواقع.

ومع انطلاق سباق الدراما العربية نحو الشاشات الرمضانية، فقد آثرت «البيان» فتح ملف الدراما لتستعرض فيه أبرز الإشكاليات والتحديات التي تواجه الدراما العربية.

التمويل والقنوات والمعلن أسباب رئيسة في إضعافه

الإنتاج الدرامي الخليجي المشترك يفقد بريقه

فقد الإنتاج الدرامي الخليجي المشترك بريقه خلال السنوات الأخيرة، بعد أن عاش فترة ذهبية خلال السبعينيات والثمانينيات، بعد الإعلان في 1976 عن تأسيس مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك التابعة للأمانة العامة لمجلس دول التعاون الخليجي التي نشطت في إنتاج أعمال تلفزيونية لا تزال عالقة بالذاكرة، لما كان لها من حضور قوي، واحتفاظها بأهداف توعوية، فلا يزال مسلسل «افتح يا سمسم» أحد أبرز النماذج التي قدمتها المؤسسة الذي شكّل آنذاك فاتحة خير على الدراما الخليجية عالجت المؤسسة من خلالها مجموعة قضايا مهمة تلامس الواقع الخليجي.

إلا أن نجاح الأعمال التي قدمتها المؤسسة لم يمنع دخولها في «سبات» أضعف الإنتاج الدرامي الخليجي المشترك بشكل لافت، وأسهم فيه ضعف ميزانيتها التي اقتصرت على إنتاج برامج تعليمية ووثائقية بسيطة، ليفتح ذلك مجالاً للقنوات التلفزيونية وشركات الإنتاج الخاصة والمعلن، للتحكم في مصير الدراما الخليجية وتوجهاتها، لتشكل هذه أسباباً رئيسة في غياب الإنتاج الدرامي البرامجي المشترك، وهو ما أجمعت عليه الآراء التي استطلعتها «البيان» في هذا الصدد.

الإنتاج التنافسي

«الدخول في قضية الإنتاج التنافسي قضى على فكرة وجود أهداف عامة يجب العمل عليها، لتتحول العملية إلى تجارة بحتة»، بهذا التعبير حاول الفنان مرعي الحليان تبرير ضعف الإنتاج الدرامي الخليجي المشترك، مشيراً إلى أن البحث في أسباب ضعف الإنتاج المشترك يقود إلى البحث في طبيعة عمل مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك التي أنتجت أعمالاً جيدة.

مؤكداً أن الإنتاج الدرامي الخليجي سابقاً كان موجهاً لحماية المجتمع، وقال: «عندما اكتشفت القنوات التلفزيونية أن خصخصة الإنتاج الدرامي يمكنها تأمين دخل مادي لها، بدأت الدراما تتحول إلى عملية تجارية، لتصبح خاضعة لرغبات المنتج المنفذ والمعلن على حد سواء».

وتابع: «بالتأكيد إن القنوات التلفزيونية أدت دوراً بإضعاف الإنتاج المشترك بعد دخولها على الخط التجاري، ليصبح العمل الدرامي مجرد بضاعة تعرض في السوق، ما أدى إلى إضعاف توجهات الدراما الخليجية».

واستطرد: «عندما كانت مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك مفعلة، شاهدنا أعمالاً ضخمة ومدعومة مادياً، تم فيها توظيف طاقات عربية وخليجية، ووظف لها كتاب متخصصون، وأدت إلى إنتاج أعمال مهمة ذات جودة عالية».

وتابع: «الأمر اختلف كلياً بعد تحول الدراما إلى الإنتاج المنفرد، لتقل معه الميزانيات المرصودة للدراما». وأشار الحليان إلى أن الدراما الخليجية لا تزال تفتقد العمل القوي الضخم، مقارنة بنظيرتها المصرية والسورية، وقال: «إذا بحثنا عن عمل خليجي واحد قوي بين عشرات الأعمال التي أنتجت سابقاً، فلن نجده، لسيطرة البساطة وضيق دائرة الاهتمام على هذه الأعمال».

الإغراق في المحلية شكّل، بحسب الحليان، حجر عثرة أمام استمرار الإنتاج الخليجي المشترك، ليثير بذلك سؤالاً حول عدم اتحاد شركات الإنتاج الخاصة لإنتاج عمل خليجي مشترك قوي، وقال: «الدراما الخليجية مطالبة بضرورة إثبات وجودها في العالم بشكل أكبر، فهي حتى الآن لا تزال تطل عليه باستيحاء، ولم تفرض وجودها على المشاهد العربي كالسورية والمصرية».

الحليان أكد أن إحياء الإنتاج الدرامي الخليجي المشترك لن يتأتى إلا عبر المؤسسات، وقال: «إعادة تفعيل دور مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك سيسهم في تقديم أعمال درامية قوية ذات قيمة وجودة عالية، تخدم الفن والثقافة بشكل عام، لقدرتها على خلق خطاب مشترك يعمل على حماية المنطقة من التقلبات».

فوائد كثيرة

في حين أكدت الفنانة سميرة أحمد وجود تجارب درامية مشتركة بين القنوات التلفزيونية نفسها، وبين القنوات وشركات الإنتاج الخاصة، مشيرة إلى أن الإنتاج الدرامي المشترك على المستوى العام لا يزال قليلاً، وقالت: «بلا شك إن للإنتاج الدرامي المشترك فوائد كثيرة، من بينها توزيع التكلفة الإنتاجية على الجميع، ما يشجع على تقديم عدد أكبر من الأعمال الدرامية».

سميرة أشارت إلى أن منظومة عمل مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لا تزال غير واضحة المعالم، وقالت: «لم يغب الإنتاج المشترك عن الدراما الخليجية تماماً، ولكننا لا نعرف طبيعة أو موقع مؤسسة الإنتاج المشترك منه، فهي أصبحت غائبة حتى على مستوى البرامج التربوية التي أعتقد أننا أحوج ما نكون إليها هذه الأيام، في ظل الانفتاح الذي تعيشه منطقة الخليج».

وتابعت: «نحن نحتاج إلى وجود برامج تربوية دينية ثقافية تعزز الهوية الوطنية، ولكن مع الأسف محطاتنا لا تملك استراتيجية معينة تطرح من خلالها أفكارها وأهدافها».

عدم قيام المؤسسات الإعلامية بإنتاج أعمال مشتركة تخدم المصلحة العامة، شكّل سؤالاً أثارته سميرة أحمد التي قالت: «هناك أفكار كثيرة يمكن للقنوات الإعلامية تنفيذها في حالة اشتراكها معاً، وهذا من شأنه خدمة المصلحة العامة للمجتمع».

في حين أكدت أنه لا يمكن إلقاء كامل المسؤولية على عاتق المنتج المنفذ، وبررت ذلك بعدم امتلاكه الكامل للقرار، وقالت: «هناك أهداف وفكر يريد المنتج المنفذ تقديمه للمشاهد، ولكن اصطدامه مع جهة الإنتاج بكل أفكارها وتوجهاتها، يضطره إلى الرضوخ لشروطها، لأن الموضوع في نهاية الأمر عبارة عن «حسبة تجارية».

ورأت سميرة أن وضع مصلحة الوطن والفرد أمام المصلحة الشخصية، سيسهم في إعادة تفعيل الإنتاج الدرامي الخليجي المشترك، وقالت: «نحن نمر بمرحلة حرجة، تتطلب منا الاهتمام بتقديم أعمال ذات صبغة توعوية تهدف إلى حماية مجتمعاتنا».

توعية الشباب

دخول بعض الشركات الخاصة على خط الإنتاج الدرامي، وتخصص مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك في إنتاج أعمال تعليمية، كانت من بين الأسباب التي برر فيها الفنان طارق العلي ضعف الإنتاج المشترك، وقال: «إبان تأسيسها، عملت مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك على إنتاج دراما مفيدة، حققت حضوراً قوياً على الساحة، خاصة أنها كانت تعتمد على طاقات خليجية وعربية، ولكن مع مرور الوقت تحولت المؤسسة إلى تحصيل حاصل، وأدى ضعف تمويلها دوراً في خروجها من الساحة».

طارق أشار إلى أن حل هذه المعضلة يكمن في إعادة تفعيل دور هذه المؤسسة، لتتمكن من إنتاج أعمال درامية جيدة، وقال: «بتقديري إن المستفيد الأكبر من تهميش دور هذه المؤسسة هو القنوات التلفزيونية، لأن ذلك فتح أمامها مجالاً لدخول خط الإنتاج الدرامي والاستفادة من مردوده المادي».

وتابع: «إعادة تفعيل هذه المؤسسة مجدداً سيساعدنا على تقديم أعمال درامية تقوم بتوعية الشباب حيال ما تشهده المنطقة»، مشدداً في هذا الصدد على ضرورة عدم الاقتصار على إنتاج الدراما الكرتونية فقط، وإنما يجب فتح المجال أمام أنواع الدراما كافة.

2013

يعد المسلسل الكرتوني «أبطال الخليج ـ في الاتحاد قوة» آخر إنتاجات مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك الذي قدمته في 2013 ضمن 30 حلقة لا يتجاوز طول الواحدة منها 10 دقائق، وتدور أحداثه حول ستة أبطال يجسدون باتحادهم ما يجمع دولهم من إصرار لتغليب الخير على الشر، ويقومون بالتصدي للأشرار في كل موقع على امتداد الوطن العربي، متسلحين بقدراتهم الفائقة التي لا تبرز إلا باتحادهم.

المسلسل من فكرة عبد الكريم العنزي، ويشارك في أداء الأصوات عبد الناصر الزاير وحسن إبراهيم وصادق دبيس وداليدا وصالح الراشد وعلي دشتي وموسى بهمن.

افتح يا سمسم

بعد مرور سنوات على توقفه، يعود مسلسل «افتح يا سمسم» الذي انطلق للمرة الأولى عام 1979 بهدف تلبية الاحتياجات التعليمية لدى الأطفال، بحلة جديدة تشرف على تقديمها مؤسسة بداية للإعلام في أبوظبي، حيث لا تزال عمليات إنتاج النسخة الجديدة تجري على قدم وساق في استوديوهات «توفور 54 إنتاج» في أبوظبي.

ويتوقع أن يتم إطلاقه في وقت لاحق من العام الجاري، لتعود إلى الشاشة العربية مجدداً شخصيات راسخة في ذهن الأجيال العربية، ويشارك في تجسيد شخصياته عدد من المواهب من الإمارات والسعودية ودول عربية أخرى، فيما يشهد الموسم الجديد انضمام شخصيات جديدة هي «شمس» و«غرغور» إلى جانب «نعمان» و«ملسون».

ضعف مؤسسات الإنتاج أفقدنا الأعمال الرصينة

 وجود مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك منح دول الخليج إمكانية تطوير طاقاتها الفنية والأدبية والثقافية، إذ عملت المؤسسة مع بدايات تأسيسها على استقطاب طاقات عربية أسهمت في تطوير المنظومة الدرامية الخليجية، وفي هذا الإطار، أكد الفنان حبيب غلوم أن وجود هذه المنظومة أعطى زخماً كبيراً للأعمال الخليجية التي أنتجت آنذاك، وأسهم في جمع الفنانين الخليجيين في إطارها، مشيراً إلى أن ترهل المؤسسة أثر كثيراً في عمل هذه المنظومة.

وبرغم ذلك لا ينفي غلوم استفادة القنوات التلفزيونية من هذه التجربة، عبر إعادة ممارستها بشكل فردي، وقال: «ضعف عمل مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك أفقدنا الأعمال الرصينة التي تهتم بالثقافة والأدب واللغة العربية».

وبرغم عدم فاعلية مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك، فإن غلوم بدا متفائلاً بمستقبل الإنتاج المشترك، بما تشهده الساحة حالياً من أعمال جيدة تحمل طابع «الإنتاج المشترك»، وقال: «قد يكون الإنتاج المشترك قد توقف على مستوى مؤسسة، ولكنه توزع على مؤسسات أخرى أصبحت تقوم بالدور ذاته، وهو ما استفادت منه الدراما التي كانت سابقاً تقدم في الإطار التعليمي والتهذيبي، في حين أصبحت حالياً تدخل في الواقع المعيش ومشكلاته».

وتابع: «بتقديري إن الإنتاج المشترك لم يتوقف كلياً، فحتى الآن تتم الاستعانة بكوادر فنية مختلفة من دول الخليج»، مؤكداً أن ذلك أسهم في تسهيل عملية توزيع الأعمال الدرامية على المحطات الفضائية، ومعتبراً أن ذلك أسهم في خلق تلاحم بين الفنانين أنفسهم، وأتاح أمامهم الفرصة للاستفادة من الخبرات الموجودة.