تواجه ماري لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية الفرنسية المتطرفة، دعوى قضائية بتهمة التلاعب المالي بقيمة ملايين اليوروهات المحصلة من دافعي الضرائب الأوروبيين، وإساءة استخدام أموال البرلمان الأوروبي. وتصف السياسية، المتهم حزبها بخرق قوانين الإنفاق الخاصة بالموظفين، هذه الخطوة، التي يقف وراءها برلمان الاتحاد الأوروبي بـ«التلاعب السياسي»، وتهدد برفع دعوى قضائية مواجهة.
وأفادت صحيفة «إندنبدنت» البريطانية، في تقرير نشر أخيراً، أن هناك ادعاءات تفيد بأن مساعدي أعضاء البرلمان الأوروبي يتقاضون رواتبهم من البرلمان الأوروبي، في حين يعملون لصالح الجبهة الوطنية.
وكشفت مجريات التحقيق أن 29 على الأقل من الأشخاص المدرجين بصفة «مساعدين» لأعضاء البرلمان الأوروبي الثلاثة والعشرين المنتمين للجبهة الوطنية، يعملون بشكل حصري في المقر الأساسي للجبهة الواقع بالقرب من باريس، وبالكاد يذهبون إلى بروكسل، أو ستراسبورغ، فيما تنص القوانين المعمول بها على أن المساعدين الذين يتقاضون رواتبهم من البرلمان الأوروبي يجب أن يعملوا مباشرةً على مسائل تتعلق ببرلمان ستراسبورغ، وفق ما جاء في التحقيقات.
وكان رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز قد أرسل كتابا رسمياً إلى المكتب الأوروبي لمكافحة التلاعب المعروف باسم «أولاف»، حيال حصول بعض التجاوزات المبدئية. وقال في هذا الصدد: «هناك مبالغ طائلة من المال يقوم بدفعها البرلمان الأوروبي، وعلينا أن نستوضح ما إذا كان المتقاضون يؤدون فعلياً مهام المساعدين البرلمانيين، أو أنهم يعملون كمساعدين ومستشارين في المقر الرئيسي لحزب الجبهة الوطنية.».
وينبغي على الهيئة التابعة لـ«أولاف»، اتخاذ القرار بشأن فتح تحقيق لتحديد ما إذا كان العاملون لصالح الجبهة يتقاضون رواتب الموظفين من البرلمان الأوروبي، بينما يقومون بأعمال مختلفة لصالح الجبهة الوطنية في فرنسا.
وذكرت صحيفة «لو موند» الفرنسية، التي كانت الأولى في نشر تقارير عن القضية، أن أحد المساعدين البرلمانيين التابعين للجبهة الوطنية كان يكلف البرلمان الأوروبي مبلغ 10,535 يورو شهرياً.
في حين أنه إذا تم إثبات الاتهامات، فسيكون على حزب لوبان المحاصر مالياً، والمشكك في وضع اليورو، والمعارض للهجرة، أن يقوم بإعادة مبالغ تقدر بـ7.5 ملايين يورو إلى بروكسل، وفق ما ذكرت وكالة «أ.ف.ب» الإخبارية الفرنسية. كما يمكن لكبار مسؤولي الحزب المثول أمام المحكمة الفرنسية بتهمة الاختلاس والاحتيال.
وكانت لوبان قد دحضت هذه الادعاءات، واصفةً إياها بالمناورة السياسية الموقوتة والهادفة إلى «تشويه» سمعة الحزب قبيل الانتخابات الداخلية للجبهة الوطنية، حيث يتوقع لها أن تحقق نتائج متقدمة. وأعلنت عبر حسابها على «تويتر» أنها سترفع دعوى قضائية ضد شولتز لتوجيهه الاتهامات المزيفة بهدف التشهير، حسب قولها.
وكانت ماريون مارشال لوبان، ابنة شقيقة زعيمة الحزب الحالية مارين لوبان، والعضو البارز في الجبهة قد وصفت الحزب بأنه «ضحية عملية تنمر سياسية.». أما فلوريان فيليبو، نائب رئيس الجبهة الوطنية فقد وصف القضية الموجهة ضد الحزب على تويتر بـ«الزائفة»، وقال وفق ما أوردت وكالة «رويترز»: « بطريقة ما، فإن شولتز محق، ذلك أن مساعدينا لا يعملون لحساب الاتحاد الأوروبي، بل ضده!».
واحتلت الجبهة الوطنية مركزاً متقدماً في استطلاعات الرأي الممهدة للانتخابات المحلية في فرنسا، والمقرر إجراؤها قريباً. وكان الحزب قد احتفل بتحقيق انتصارين مهمين عام 2014، حيث حصد في سبتمبر من العام المذكور مقعدين في مجلس الشيوخ الفرنسي للمرة الأولى. كما احتلت الجبهة الوطنية المعادية للهجرة، والمناهضة للاتحاد الأوروبي مركز الصدارة..
وضمنت 24 مقعداً في انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو من العام 2014، في إشارة تدل على ازدياد شعبية الأحزاب اليمينية، والأحزاب السياسية المشككة بالاتحاد الأوروبي على السواء، مستفيدة بذلك من استياء الشارع الفرنسي من الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، والمعدلات المرتفعة للبطالة المنتشرة في البلاد.
من غير المرجح أن تلحق الاتهامات ضرراً بآمال الجبهة في الانتخابات المحلية المرتقبة، إلا أنها تهدد بالتسبب بإحراج مالي وقضائي للوبان وقادة الجبهة الآخرين.
وكانت لوبان قد أصدرت في الفترة الأخيرة بياناً صحافياً جاء فيه: «لقد عمد مارتن شولتز، ومن دون أي دليل، وفي تحامل محسوب النتائج بدقة، إلى التشهير بسمعة مساعدينا، والرمي بهم إلى الأسود. يعتبر شولتز مثالاً ساطعاً على أولئك الاشتراكيين المليئين بالأحقاد، والمثيرين للشفقة المنتشرين كثيراً في كل أنحاء أوروبا.». ودعت لوبان من خلال البيان إلى أن يسلم شولتز نفسه إلى المكتب الأوروبي لمكافحة التلاعب.
شكوك وردود
أثيرت الشكوك حول المسألة للمرة الأولى، حين أقدمت الجبهة الوطنية بنشر دليل بأسماء الموظفين لديها عبر الإنترنت، وأشارت إلى أن العديد من مساعدي أعضاء البرلمان الأوروبي يعملون من مقرهم في مدينة «نانتير» الفرنسية. وأوضح مارتن شولتز المسألة بالقول: «لا يمكن أن يتلقى أحدهم راتباً من البرلمان الأوروبي في حين أنه يعمل لصالح الحزب.».
واعتبرت لوبان، أن القضية تحركها دوافع سياسية، وردت على سؤال أحد الصحافيين في ستراسبورغ، قائلةً: «ليس لدينا ما نلوم به أنفسنا، ليس في هذه القضية ولا في سواها. أما شولتز، الذي لديه ميول اشتراكية، وبتوجيهات من (صديقه) مانويل فالز، رئيس وزراء فرنسا الاشتراكي كذلك، فقد رفع علينا الدعوى. وهذه اللعبة السياسية الصغيرة، التي تأتي قبل أيام من إجراء الانتخابات، قد بدأت تتخذ لهجة شديدة الطابع.».
