حين دخلت صالة التحرير في صحيفة «إل سيكول» العريقة، الصادرة في مدينة جنوة الإيطالية، برفقة مدير التحرير فرانشيسكو فيرّاري، خلت للحظة أنني أدخل صالة تحرير «البيان» في دبي، إذ وجدت فيها حركة غير اعتيادية، وقال لي فيرّاري إنه اليوم الذي يسبق توأمة الصدور مع صحيفة «لا ستامبا» في تورينو..
والصحيفتان تحت سقف واحد. شعرت بأنّني اخترت يوماً غير مناسب للزيارة، إلا أن رئيس التحرير الدكتور آليسّاندرو كاسّينيس الذي كان يُشبه في تلك اللحظة المهندس المقيم في مشروع عمراني ضخم، بدّد مخاوفي وقال:
«أعتبر وجودك معنا اليوم نقطة مهمة، لا سيّما وأنّ مادّتك ستُنشر على صفحات البيان الإماراتية، والتي تعتبر شقيقة لصحيفتنا، فنحن جسران للحوار وتبادل الخبرات بالبلدين، فهي كصحيفة أسهمت وشاركت في التطوّر العمراني والحضاري في دبي ودولة الإمارات بأسرها، تماماً كما فعلنا نحن بمدينتنا جنوة ودولتنا إيطاليا».
خلية نحل
كانت الصحيفة في تلك اللحظة أشبه بخلية النحل. زرت أقسامها الورقية وإذاعتها والاستوديو التلفزيوني، «نحاول الاستجابة إلى جميع متطلبات الإعلام الجديد»، قال فيرّاري، «دون التخلّي عن أهمية المطبوعة كصحيفة، ونُنوّع ما تقدّمه مؤسستنا من خدمات وأطر..
ومنها مشروعنا الجديد «ميدي تيليغراف» الذي أطلقناه بما يواكب وينسجم مع تاريخ صحيفتنا ومدينة جنوة التي صدرت فيها أول صحيفة معنية بالملاحة البحرية في العالم وكان اسمها «آفّيزاتوري ماريتّيمو»، أي المُنبّه البحري».
ويُضيف رئيس التحرير: «عندما أطلقنا مشروعنا الإعلامي الجديد ميدي تيليغراف كنّا أمام تحدّيين اثنين، فمن جانب نسعى إلى توسيع حدود وآفاق عملنا، لذا أنجزناه بلغتين، الإيطالية والإنجليزية، وكان التحدي الأكثر أهمية، هو الربط بين ضفتي المتوسط، الأوروبية وشمال إفريقيا والشرق الأوسط.
ولم يكن الأمر مقصوراً على أن نُنتج المعلومة الاقتصادية فحسب، بل أن نكون حَمَلَة للثقافة وجسراً للحوار بين الثقافات والتقاليد المتباينة فيما بينها. وفي هذا الإطار يصبح من الطبيعي والبديهي أن تتحاور عاصمتان بحريّتان مهّمتان مثل جنوة ودبي فيما بينهما...
وأن يتمكن خبراؤهما وفنيّوهما والمتعاملون معهما من الارتباط والتحاور وتبادل الخبرات والمعلومات. وفيما تحتل جنوة منذ قرون موقعاً مهماً بين موانئ المتوسّط، ولها أن تفخر بامتلاكها خبرات وطواقم بحرية وتجارية في أرفع المستويات، فإنّ مدينة دبي أصبحت خلال العقود الأخيرة إحدى أهم عواصم التجارة البحرية، بل ومن أهم موانئ العالم قاطبة، وحظيت وتحظى باهتمام عالمي واسع وتجذب نحوها استثمارات من العالم بأسره.
ويُضيف: «برز هذا في المنتدى الذي نظّمناه عبر ميديا تيليغراف في مقر سلطة الموانئ في قصر سان جورجو بجنوة، في نوفمبر الماضي، ودعونا إليه جميع الشركات العاملة في قطاع التجارة البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكان التساؤل الأساسي يرتكز على ما حدث بعد الثورات العربية من متغيّرات.
فقد أدت أحداث بتلك الأهمية إلى تعليق الكثير من نشاطات السوق على صعيد الإبحار والتجارة البحرية وجعلت المبادلات عسيرة لفترة من الزمن، لكن أسواقاً جديدة ولدت في الوقت ذاته، وأشكال للديموقراطية أوجدت في المتوسط بأسره إمكانيات جديدة تُجرّب في الوقت الراهن.
ويؤكد الدكتور كاسّينيس أنه لا يريد الاكتفاء باللغة الإنجليزية إلى جانب الإيطالية، فهناك ضرورة للتحدّث مع الشعوب الأكثر إسهاماً في التطوّر الجديد في اقتصاد المتوسّط بلغتها الأم، لذا فالعربية ستكون إحدى اللغات التي سنُدخلها بالموقع». لم يكن للأحداث الجارية في العالم والمخاوف التي تثيرها أن تغيب عن حوارنا فقال:
«حين وقعت أحداث باريس كتبت في اليوم التالي مقالة ضمّنتها مخاوفي حول احتمال «موت ثقافة التسامح» في أوروبا، وأعتقد أن مخاوفي كانت في محلّها على بعض الصعُد، إلا أنني واثق في الوقت ذاته أنّ إسهام العقول النيّرة في جميع البلدان الأوروبية سيُتيح تجاوز الخطر».
فتح فضاءات
وتسعى الصحيفة إلى توسيع أطر نشاطها إلى البث الإذاعي والتلفزيوني ويقول رئيس التحرير: «أعددنا لهذا التوسع وفتحنا الفضاءات بين أجزاء الصحيفة، حيث أصبحت المساحة فضاءً مفتوحاً ومُتَشارَكاً بين الجميع، ووضعنا هيئة التحرير في قلب المكان بحيث يتاح لمديري التحرير متابعة جميع مراحل العمل والإنتاج.
ويُضيف: «أنا قادم من الصحيفة الورقية المطبوعة، وهي ما كانت تُتيح لنا يوماً كاملاً بطول 24 ساعة لتقديم الخبر إلى القارئ، أما الآن فالأمر مغاير، لأن علينا متابعة وملاحقة الخبر دقيقة بعد أخرى، وأن نكون قادرين على اختيار القناة الصحيحة لبث الخبر، من خلال الشبكة الإلكترونية أو عبر الراديو، وهناك بعض الأخبار تحتاج عمقاً أكبر في الويب.
لاخوف على المستقبل
لا يشعر الدكتور كاسّينيس بالمخاوف على مستقبل الجريدة المطبوعة ويقول: «أعتقد أن للجريدة المطبوعة مستقبلها المرسوم، وهو التخصّص الأكبر والأوسع والاهتمام بالقراء الذين يُحبّون القراءة من خلال المادة الورقية المطبوعة، وهم كُثرٌ ويؤكدون أن متعة القراءة عبر الورق لا تُضاهيها متعة أخرى، فالمكتوب يبقى عبر الزمن».
وقال: ليس صحيحاً أن الويب يحتمل الخبر العاجل والسريع فحسب، فبإمكانه أن يكون أداة تعميقية مهمة للغاية عبر أسلوبه المناسب، ويحتل الفيديو عبر الإنترنت موقعاً إيجابياً ومؤثراً، واستنبطنا موقعاً للتصوير سنُجري فيه الحوارات والبرامج التحليلية للأخبار عبر الحديث مع الشخصيات التي تمثّل مُتغيّرات الأمور».

