مشاهدة واحدة للفيلم اللبناني «غدي» لمخرجه أمين درة، قد لا تكفي لاكتشاف ما في مجتمعاتنا من اختلافات، وما تحمله من نظرة مختلفة، وعدم تقبل لشريحة ذوي الاحتياجات الخاصة، التي يسلط الفيلم الضوء عليها، عبر شخصية «غدي» المصاب بمتلازمة داون، ليأتينا الفيلم برسالة إنسانية الطابع، ترمي إلى ضرورة تقبل الآخر، بكل اختلافاته.
إلا أن المثير في «غدي» الذي بدأ أمس عروضه في دور السينما المحلية، تمثل في اختراق مؤلفه جورج خباز لمعادلات السينما اللبنانية التي تدور معظم أفلامها في فلكي الحرب وقصص الحب، لتشكل قضية «تقبل الآخر»، المنفذ الذي عبر من خلاله جورج خباز إلى تفاصيل المجتمع اللبناني، ليعكس ما يتضمنه من اختلافات عرقية واجتماعية ودينية، بحسب قوله لـ «البيان»، التي أوضح لها أن التعامل مع الطفل إيمانويل خير الله المصاب بمتلازمة داون، كان أمراً هيناً عليه وعلى طاقم الفيلم، قائلاً إن عمله تحت إدارة مخرج آخر، أضفى أبعاداً أخرى على العمل.
في الفيلم نتابع الطفل «غدي» ومحاولات والده «لابا» الذي يعمل مدرساً للموسيقى، في إقناع أهالي «حي المشكل» بتقبل ابنه المصاب بمتلازمة دوان، والذي لا ينفك عن إزعاجهم بصراخه الدائم، الأمر الذي يضطره إلى إخبارهم بأن «غدي» هو في الحقيقة «ملاك»، وصراخه المستمر ما هو إلا عقاب من الله لهم على خطاياهم. ويتمكّن مع فريق من سكّان الحي يساعدونه بالخفاء، من إقناع الأهالي بصحة روايته، ليتحوّل «غدي» إلى الملاك الحارس للحي.
ورغم أن أحداث الفيلم تدور في مجملها حول الطفل «غدي»، إلا أن نظرة جورج خباز، بدت أعمق من ذلك، حيث قال: «أنا لم أركز في الفيلم على ذوي الاحتياجات الخاصة فقط، بقدر ما حاولت أن أبين مجموعة الاختلافات الاجتماعية والعرقية والدينية في مجتمعاتنا، وتقديمها إلى المشاهد من بوابة «الاختلاف الجسدي والفكري»، المتمثل في الطفل «غدي»، والذي حاولت من خلاله إبراز نظرة المجتمع لهذه الشريحة وعدم تقبله لها».
تجربة خباز في العمل مع إحدى جمعيات ذوي الاحتياجات الخاصة في قطاع العلاج عبر المسرح، يبدو أنه كان لها تأثير واضح في طريقه طرحه لهذه القضية، وفي هذا الصدد، أكد خباز أن تجربته مع هذه الشريحة أعطته الفرصة لاكتشاف مدى صدق أبناء هذه الشريحة وحبها للآخر، في مقابل مجتمع قاسٍ يتمتع بنظرة مهمشة لها.
خباز وصف تعامله مع الطفل إيمانويل خير الله، الذي لعب شخصية «غدي»، بـ «السلس والممتع في الوقت ذاته»، وقال: «80 % من مشاهد إيمانويل كانت معي». وتابع: «في الحقيقة أن إيمانويل المصاب بمتلازمة داون، يتمتع بدرجة ذكاء عالية، وقد فوجئنا جميعاً بما لديه من التزام في المواعيد وإتقان المشاهد».
وأضاف: «كنت أشعر طوال الوقت، أن إيمانويل كان مصدراً للطاقة الإيجابية بمواقع التصوير، لا سيما وأنه كان يتمتع بطاقة كبيرة في العمل انعكست إيجابياً على طاقم الفيلم». مشيراً إلى أن الحب كان سيد العلاقة التي جمعت إيمانويل والطفلتين سيرينا عرب ولينا جرجس، لدرجة أن علاقتهم تحولت إلى «صداقة».
«الشمولية دائماً ما تمنح العمل هوية متكاملة»، بهذا التعبير وصف خباز تجربته في التأليف والإخراج والتمثيل، والتي اعتاد أن يجمع بينها في أعماله المسرحية والتلفزيونية والسينمائية، إلا أن «غدي» بدا خارج نطاق هذه الشمولية..
وبرر خباز ذلك بقوله: «بعد الانتهاء من كتابة سيناريو هذا الفيلم، وجدت أنه من الضروري تسليمه لمخرج آخر يتولى إدارته لإضفاء أبعاد أخرى، فضلاً عن أن التحول من كاتب إلى ممثل، مكنني من اكتشاف النص مجدداً».
قرصنة
رغم تعرض الفيلم للقرصنة وبيعه في الشوارع بمبلغ لم يتجاوز دولار واحد، ما تسبب بخسارة الشركة المنتجة له بنحو 25 % من الأرباح، إلا أن الفيلم استقطب خلال عرضه في الصالات اللبنانية أكثر من 80 ألف مشاهد، فيما حط بـ 8 مهرجانات عالمية، خرج منها محملاً بثلاث جوائز.
