في ظل زمن السرعة والتطور، يمكن أن ينسى البعض تاريخه أو غنى تراثه وتميزه. ولكن هذا بات ضرباً من المحال ربما، في الإمارات، مع مشروع إعلامي ثقافي ومجتمعي فريد من نوعه، جديد في الساحة، عمره أقل من 6 أشهر، يتمثل في إذاعة الأولى وهي إحدى مبادرات مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث.
إذاعة الأولى صورت التراث ووترياته من دبي وهي الإذاعة التراثية الأولى التي تبرز كجسر للتاريخ والتراث للشباب والأجيال المقبلة، لينقلوا ويحفظوا أغاني وأهازيج وقصصا، بحيث لا يندثر ماض جميل يعبق بحكايات الأجداد وما لاقوه من المصاعب والمواقف.
وهكذا اختارت «الأولى»، منذ بزوغ شمسها عام 2014 أن تطلع جيل اليوم على معاناة الماضي وجمالياته، ليصون ويعي نعمة الحاضر، وليعلم حقيقة القيمة الكبيرة لتراثه الثقافي.
وعلى هذا الأساس انطلقت الإذاعة لتنجز وتؤهل، فأنتجت الكثير من الأغاني التراثية، وأهلت كوادر وطنية لتحافظ على هوية الإمارات العربية المتحدة. «البيان» تضيء على طبيعة تميز رسالة وأعمال «الأولى» من خلال لقاءات المعنيين، غاية تبيان نقاط كثيرة في هذا المجال.
وقت وجيز

يقول الرئيس التنفيذي لمركز حمدان بن محمد لإحياء التراث عبد الله حمدان بن دلموك: «بفضل الله تمكنت الإذاعة وفي وقت قصير منذ إطلاقها في شهر سبتمبر الماضي من استقطاب عدد كبير من المستمعين وترسيخ قاعدة جماهيرية كبيرة، سواء من المواطنين أو المقيمين في الدولة..
لكونها تتناول التراث بحُلة جديدة تواكب العصر وتتمسك بالجذور. تناولنا الفن وآراء الشباب ومواضيع تدور حول محاور حيوية من صميم مجتمعنا وعاداتنا وتقاليدنا وتمكنا من استضافة عدد كبير من المسؤولين وأصحاب المراكز في الدولة لطرح أهم القضايا المطروحة على الساحة الإماراتية».
وأضاف: «نجحنا بفضل الله في إعادة إنتاج الأغاني القديمة وأنتجنا أغاني خاصة لنستهدف فئة الشباب وكافة شرائح المجتمع الإماراتي، وإلى جانب الفن، فقد تناولنا المفردات الشعبية والبطولات التراثية والأدب وتاريخ الحرف دون أن نغفل أهم أحداث الساحة. وإنجازاتنا لا يمكن حصرها في هذا الوقت الوجيز.
إلا أن الأولى سباقة في تغطية الأحداث مع الاحتفاظ برونقها الشعبي والتراثي والثقافي وتعالج قضايا عديدة أهمها استمرارية الموروث ونقله إلى الأجيال الجديدة بشكل عصري يواكب خطى الإمارات العربية المتحدة في التطور».
هوية وطنية

وتشرح مديرة إذاعة الأولى فاطمة البناي توجهات الأولى وسياق عملها، قائلة: «إذاعة الأولى هي في طبيعتها التراثية المحلية، باعتبارها ذات هوية إمارتية وطنية، هي (منكم وفيكم) لأنها تتكلم عن الموروث والتاريخ والثقافة الإماراتية بنسبة 100%..
حيث إن أهداف الإذاعة تواكب العصر باعتبارها تتماشى مع الأحداث واليوميات في قلب مدينة دبي، المدينة العصرية النابضة عطاء وتطورا وحوارا وثقافة وإشعاعا فكريا واقتصاديا واجتماعيا، والحافظة لهويتها وتراثها.
ولصعوبة التمسك بالتراث في ظل السرعة والتطور الذي نشهده، ولأنه من أهم أولويات الإذاعة نقل التراث الإماراتي والثقافة الإماراتية والتاريخ الإماراتي، بجماليته وفنه وشعره ومعلوماته للأجيال المقبلة، حرصنا في الإذاعة، وانطلاقا من رسالتنا، على المزج بين العصرنة والتراث، حيث أعدنا إنتاج وتسجيل الموسيقى والأغاني القديمة لتناسب الشباب».
إنتاجات خاصة
وأضافت فاطمة البناي: «الحمدلله، وفرنا نتاجات خاصة كثيرة: أغنيات في العيد الوطني مع حسين الجسمي وميحد حمد، بالإضافة الى إنتاجات مع المغنين الشباب، مثل: محمد المنهالي ومعضد الكعبي ووليد إبراهيم. وترافق هذا المشروع مع حرصنا على تحفيز هؤلاء الشباب، وتعزيز التراث في نفوسهم».
وتابعت: الإذاعة فيها أقطاب وأعلام رواد في حقل الإعلام الإماراتي، وأولهم حصة العسيلي، أول إعلامية في دولة الإمارات. إذ إنها تشغل منصب مراقبة البرامج فيها. ولديها برنامج بعنوان «الأولى مع الأولى».
للشباب رأي
وتستعرض فاطمة البناي، مجموعة من أبرز البرامج التي تقدمها الإذاعة، موضحة أن أثير بن شكر تقدم برنامج «للشباب رأي»، الذي يتناول محاور وقضايا كثيرة في مجتمع الإمارات، مسلطاً الضوء على المبادرات التي تطلقها الدولة. وذلك بالإضافة الى فقرة تهتم بالتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتبحث في فكر وطروحات وآراء المغردين الإماراتيين. وتناقش البيئة الإماراتية.
كما توجد فقرة مخصصة للتأمل في أحد مكونات وعناصر البيئة الإماراتية، مثل السحاب أو المطر أو الصحراء. وذلك بهدف أن تغرس (الأولى) في نفوس مستمعيها: حب الأرض وحب الوطن. وهذا طبعا، علاوة على فقرة «الإماراتي الفصيح»، وهي تختص باستعراض الكلمات في اللهجة الإماراتية التي لها جذور في اللغة العربية الفصيحة..
وهي من إعداد وتقديم سالم الزمر مستشار الدراسات الثقافية والشعرية لمركز حمدان بن محمد لإحياء التراث وإذاعة الأولى، وهناك فقرة «الشعر في زورق من حنين» التي تركز على عرض ودراسة قصائد كبار الشعراء العرب.
مواد حصرية
وتضيف فاطمة البناي: إذاعة الأولى تمتلك كادرا عالي التأهيل. وبذلك فإنها قادرة على أن تنتج بنفسها مواد حصرية لها، وقد بدأت الإذاعة مع أشخاص لديهم خبرة إعلامية، وأردنا بأن تكون لدينا وجوه جديدة، مثل: أحمد البدواوي في برنامج «أخذ وعطا» وهو وجه إعلامي جديد يقدم البرنامج بطريقة جميلة، ويلازمه في البرنامج خليفة الفلاسي..
والبرنامج يتناول مظاهر الحياة حالياً، ويقارن فيه بين الماضي والحاضر بطريقة سلسة. واستطردت: تحد كبير أن نصل إلى أكبر شريحة من الشباب، إذ حاولنا أن نكسر التحدي بتخصيص فقرات لهم، لا سيما الاغاني التراثية التي قمنا بتسريعها لتناسب الشباب، وتصلنا طلبات من فئة الشباب للاستماع لأغان قديمة من إنتاج الإذاعة.
خطط مستقبلية
وعن الخطط المستقبلية للإذاعة قالت فاطمة: «نحن الآن بصدد مشروع خاص، يقضي أن يكون لدينا رعاة للإذاعة، ما يعزز ويسند التوجهات والرؤى التي تنظم عمل الإذاعة، والتي محورها حفظ التراث والثقافة الإماراتية وأظن هنا، أن الجميع معني في أن يشاركنا هذا الجهد والدأب، ويسهم حفظ موروث وتاريخ دولة الإمارات».
وتابعت: خططنا المقبلة هي تأهيل كوادر إماراتية قادرة على أن تقود مسار العمل الإذاعي الإعلامي في الخط نفسه والسياق ذاته، آخذة بمعايير التقدم والتطور والسلاسة، بينما تعكس وتنبش في الموروث الإماراتي عارضة غناه وقيمته، كما نسعى الى أن تكون لدينا كوادر وطنية تقف في أي مكان وتتحدث عن الإمارات وتاريخها بمرونة وتميز جديرين فقط بأن يناسبا مدينة دبي.
ولفتت البناي، إلى أن الإذاعة تراثية الطابع فعليا، ولكنها أيضا ذات ملمح عصري، فلا يمكن أن تذيع وتظهر في ثوب ومنوال السبعينيات من القرن الماضي.
كما أنها معنية بمواكبة أحداث بارزة، عصرية، في الإمارة، في ظل التطور والزخم الموجود حالياً. ومن بين أبرزها، وباعتبار مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث الشريك الاستراتيجي التراثي لإكسبو 2020، مشروعات وخطط برامجها التي تنوي المشاركة فيها بتغطية ومواكبة هذا الحدث النوعي العالمي.
حضور موسيقي

ويستعرض مستشار الفنون الشعبية في مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث والمشرف على الأغاني الشعبية بإذاعة الأولى ابراهيم جمعة، عمله والفقرات الموسيقية في الإذاعة ودوره ومهامه، قائلاً:
لا شك أن نهج (الأولى) ومركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، قدوة في المجال، فالتراث لا بد أن يؤخذ من مراجع موثوقة، ونحن نحاول أن نأخذ المعلومات الصحيحة لنقدم ونبرز التراث ونضعه في إطاره الصحيح، إضافة الى وضع بعض الرتوش الجميلة لنقدمه بصورة مقبولة تناسب العصر الحالي.
وعن إقبال الشباب للتعرف على الموروث المحلي، قال: للأسف البعض منهم من يتابع، وهم عملة نادرة، ويرجع السبب الأول إلى طبيعة التنشئة منذ الصغر، إذ يجب أن نعتني بتوجيه الأجيال للاهتمام بالموروث والفخر به.
ونحن في الإذاعة لدينا برامج وخطط للتركيز على انتاج برامج مخصصة لتحصين اهتمام الشباب بالتراث كمكون أساس في الهوية الوطنية، حيث يأتي دور الإعلام في المساهمة في نشر هذا الموروث بصورته الحقيقية، وبطريقة تناسب كل الأعمار وتضاريس دولتنا.
الجيل الحالي
وعن الذي أضافته الإذاعة للجيل الحالي، قال جمعة: «نحن لم نكمل السنة. ولكن انتشرنا بسواعد وجهود شبابية ومخضرمة مهمة، ونسعى لاستقطاب الناس القدامى ونسجل لهم أغاني في الإذاعة، مثل:
»النهمة« و»اليرة« و»الليوا« ونجددها، بالإضافة الى الأغاني القديمة لحارب حسن وبالروغة، إذ نجددها بأصوات شبابية حتى لا تندثر ولتكون امتدادا بأصوات الشباب ليستوعبها الجيل الحالي أكثر، وحتى نوصل الأغنية على جسر الشباب ولتكون (منكم وفيكم)».
ولفت جمعة إلى أن هناك أغاني شعبية مجددة بأصوات كورال شبابي، سوف تذاع على إذاعة الأولى قريباً.
صوت الوطن

مراقب عام برامج الإذاعة، حصة العسيلي، وهي مقدمة برنامج «الأولى مع الأولى»، البرنامج الثقافي الأدبي الأسبوعي تتحدث، قائلة: إذاعة (الأولى) وليدة ولكنها عميقة التأثير في الأجيال الشابة التي ستكون ملمة بتاريخها وتراثها، حيث إنني أطلق على الإذاعة توصيف «صوت الوطن»، لأن العاملين في هذه الإذاعة يسكنهم هم وطني كبير، جوهره ترسيخ وإبراز صوت عراقة الموروث والتراث في الوطن.
وأوضحت حصة مدى اهتمام (الأولى) بالشباب، ومحاولة ربطهم بالموروث فقالت: خصصنا للشباب برنامجا يوميا «للشباب رأي». ولمدة ساعتين نتلقى آراءهم ونتفاعل معهم، لأن هذا الوطن بني بسواعد الآباء. لذلك نحن بحاجة للأبناء ليواصلوا المسير وتعزيز البناء والتطور.
وأضافت: إذاعة الأولى معنية تماماً بفكر الشباب ولهذا نحاول أن نوصل التراث بكل قيمه ومبادئه، بالأسلوب الذي يتوافق والرؤى الجديدة للشباب، لذلك فإن لـ(الأولى) موقعا إلكترونيا على شبكات التواصل الاجتماعي لتتواصل مع شريحة الشباب التي تؤمن بهذه الكيفية من التواصل.
الماضي والحاضر
استعرضت معدة برنامج «أخذ وعطا» برديس فرسان خليفة، مضمون برنامجها وأهدافه، قائلة: «البرنامج من تقديم أحمد البدواوي. وانضم له أخيراً خليفة الفلاسي. ويتناول البرنامج، الماضي والحاضر في البيئة الإماراتية، ويستضيف فئات عمرية مختلفة، إضافة الى تقديم أمور توعوية من خلال جهات أمنية أو صحية، وتوجد مشاركات شبابية في المواضيع التي تهمهم مثل الرحلات والتخييم، لاسيما بفضل وجود مسابقة بالبرنامج تجعل المشاركات أكثر».
مستمعو الإذاعة يشيدون ببرامجها

أشاد جمهور إذاعة الأولى ببرامجها، وقالت ندى الهاجري: أستمتع بالإذاعة الاولى لتقديمها برامج تراثية نفتقدها في عصرنا الحالي، أحياناً تكون هناك معلومات أسمعها لأول مرة وأستفيد منها، إضافة الى الفقرات والأغاني الشعبية القديمة التي تذكرنا بالماضي الجميل.
وأضافت مريم محمد: أحب الشعر كثيراً، كما أنني من عشاق الأغنية الخليجية، ووجود منبر إعلامي يهتم ويعتني بالدرجة الأولى بالثقافة المحلية والموروث الأصيل يعد مفخرة حقيقية بالدرجة الاولى. وعبرت حصة بوعفراء عن رأيها بالاذاعة وقالت: تقدم الإذاعة قصائد حصرية لأهم الشعراء على مستوى الخليج، وهذا يمنح المستمعين فرصة التواصل مع الجديد الشعري لألمع الأسماء في عالم الشعر.
وتحدثت رغد أحمد عن فكرة تطوير الأغاني التراثية فقالت: فكرة تطوير الأغاني التراثية والشعبية لتصل إلى شريحة الشباب والاجيال الجديدة، مميزة وذكية، لاسيما وأنها تمكنهم من الاقتراب أكثر من الفن الأصيل والتعرف على نجومه، فقد مللنا الأغاني الـ«تيك أوي» .
14 أغنية تراثية
قال إبراهيم جمعة: طُلب مني ومن سالم الزمر، أن نسجل أغاني الطفل التراثية، فقمنا بتسجيل ما لا يقل عن 14 أغنية موسيقية مع اوركسترا، بموازة الحرص على التجديد والمحافظة على الموروث الحقيقي، ويشجعنا في الخصوص رجل التراث، الشاعر والباحث، عبدالله حمدان بن دلموك الرئيس التنفيذي لمركز حمدان بن محمد لإحياء التراث..
ويوفر لنا الإمكانيات المعنوية والمادية لصقل المواهب وجمع البحوث والتدوين للموروث التراثي. نسعى في (الأولى)، لأن تكون المادة المسجلة وفق منهج دقيق، ونحن مستعدون أن نضع منهجاً للطالب حسب مراحله في هذا الحقل (التراث)، من الروضة إلى الثانوية، خدمة للدولة والمجتمع.
جو أسري
عن سبب توجه مقدم برنامج «أخذ وعطا» خليفة الفلاسي للعمل بقناة تراثية، يقول: فخور بانضمامي الى قناة تعد الأولى المتخصصة في التراث الإماراتي وهويتها إماراتية بحتة، وأنا من المحظوظين الأوائل الذين انضموا لهذه القناة، ودورنا كشباب بدولة الإمارات أنه لا بد أن نعرّف أهل المنطقة والجيل الحالي بالموروث الإماراتي، ونتحدث عن أصالتنا وهويتنا من خلال التراث، ويشجعني للعطاء أكثر الجو الأسري للإذاعة.
يوجد لدى إذاعة الأولى الكثير من البرامج المختلفة، مثل برنامج «أمسنا الحاضر» مع بن ذيبان وفهد المعمري. وهو يتناول كل ما يخص البحر وتفاصيله، وبرنامج «الميلس» الذي يتناول الأشياء التراثية والشعر القديم، بالإضافة الى برنامج «صباح الأولى» وهو برنامج صباحي بروتوكولي، يناقش إيجابيات المجتمع، وبعيد عن سلبياته وينقل أخباره بطريقة مبسطة.
