مـَثـُل دومينيك شتراوس كان، رئيس صندوق النقد الدولي السابق، أخيراً، أمام هيئة محلفي المحكمة في مدينة ليل الفرنسية، بوصفه أحد المدعى عليهم الأربعة عشر المتهمين بتشكيل حلقة لتسيير أعمال القوادة، في قضية «فندق كارلتون»، وهي الأولى من نوعها في تاريخ القضاء الفرنسي..
حيث قوانين الخصوصية الصارمة قد حجبت حتى الآن تسليط الضوء على النواحي الأكثر فساداً من حياة السياسيين الخاصة، وشكلت اختباراً لمدى انفتاح الناخبين الفرنسيين حيال ميول قادتهم السياسيين، ودليلاً آخر على الاتجاه الأخلاقي الجديد في بلد طالما سخر من «التصلب الأنجلو- سكسوني». وستقضي محاكمة ليل على طموحات شتراوس كان السياسية، بعد أن كان يأمل باحتلال منصب الرئاسة الأولى للجمهورية الفرنسية.
وأفادت صحيفة «أوبزرفر» البريطانية، في تقرير نشر أخيراً، بأن قضية «فندق كارلتون»، التي سميت كذلك نظراً للفندق الذي يزعم أنه كان مركز شبكة الأعمال المخلة بالآداب، تنطوي على ملخص من الادعاءات يصل إلى 240 صفحة، إلا أن الادعاء الأساسي بالمختصر يفيد بأن شتراوس كان يعتبر مشاركاً، ومنظماً محتملاً لحفلات ماجنة، كانت تقام في كل من بلجيكا، وفرنسا، والولايات المتحدة.
وفي حين أن ممارسة الرذيلة مقابل المال، في حد ذاتها، لا تشكل عملاً مخلاً بالقانون في فرنسا، إلا أن «الرذيلة المنظمة» تهمة تنطوي على جملةٍ من الجرائم تشمل المساعدة والتحريض والتنظيم والتشجيع، أو دعم أعمال الرذيلة، التي يمارسها آخرون. وتشكل تلك التهمة أساس الدعوى الموجهة ضد شتراوس كان وثلاثة عشر آخرين أنكروا التهم الموجهة إليهم.
سبق لشتراوس كان، البالغ من العمر 65 عاماً، أن أعلن ولعه الشديد بالحفلات الخلاعية غير المقيدة بأعراف، والإقدام على ممارسات منافية للآداب مع عدد من النساء. لكنه نفى معرفته بأنهن كن يتلقين أجراً مالياً مقابل خدماتهن، ووصف التهم بأنها «تلميحات وتقديرات خطيرة وكيدية». ويعتبر مؤيدو شتراوس كان أنه ضحية ما يصفونه بالحملة الأخلاقية الجديدة المؤيدة للنساء.
ويعارضهم النقاد بالقول إن الادعاءات تأتي ضمن سياق السلوك الاستغلالي المعنّف، ويشيرون إلى أن شتراوس كان طالما تعرض للاتهام دون أن تتم إدانته مطلقاً لممارساته البغيضة في عدد من الحالات، وأن القاضي الذي أصدر أمراً بإسقاط الدعوى، اعتبر أن الأدلة لإدانته غير كافية، علماً أن القضاة الثلاثة الآخرين، ومن بينهم قاضيتان، تجاهلوا قرار القاضي، وأصروا على استئناف المحاكمة.
وفيما يعتقد قلة، إذا وجدوا، أنه سيتم سجن شتراوس كان، فإن الشهور المقبلة ستشهد استعراضاً مفصلاً ومحرجاً للحياة الحميمة لرجل كان يتوقع أن يصبح رئيس فرنسا.
وفي هذا الإطار، وضع ديدييه سبيك، مراسل المحكمة المتقاعد لصحيفة «صوت الشمال»، كتاباً حول قضية شتراوس جاء فيه: «صحيح أن الفرنسيين يعتقدون أنهم يعيشون في مجتمع متحرر جداً، فيما خصّ العلاقات الحميمة..
لكن تلك الفكرة التي لدينا عن أنفسنا ليست صحيحة بالكامل.» لم يعد لشتراوس كان أي حياة سياسية يخسرها، وقد قضي على أحلامه الرئاسية نهائياً عام 2011، حين أنزل عن متن رحلة جوية، واتهم بالتحرش بعاملة تنظيف في أحد فنادق نيويورك. وهو سيواجه إذا وجد مذنباً تهمة «التآمر لتنظيم الاغتصاب الجماعي» حكماً بالسجن يصل إلى عشرة أعوام وغرامة مالية قدرها 1.7 مليون دولار أميركي.
وكانت التحقيقات في قضية «فندق كارلتون» قد بدأت بعيد حادثة توقيف شتراوس كان في أميركا، في قضية اعتبرت محلية الطابع.
إلا أن شرطة مدينة ليل الفرنسية قد بدأت تحقيقات معمقة حول مسألة «الرذيلة المنظمة» بعد أن تلقت إخباراً مفاده أن مدير العلاقات العامة في فندق كارلتون كان ينظم اجتماعات لـ«رجال رفيعي المستوى»، مع فتيات يعملن على إمتاعهم. تم إصدار مذكرات التفتيش ونفذت المداهمات، لكن القضية بقيت محدودة إلى حين ذكرت عدد من النسوة اسم شتراوس كان في التحقيقات، وأكدن حضوره الحفلات الخلاعية في كل من باريس، وبروكسل، وواشنطن، مقر صندوق النقد الدولي.
وقال سبيك ذات مرة: «يسعنا أن نسأل أنفسنا، لماذا يتورط رجل يتمتع بكل تلك السلطة بعلاقات مشبوهة وخطيرة، قد تعرضه للابتزاز والضغط. إنه أمر غبي وليس جنائياً. وما يخضع للمحاكمة فعلياً هي أخلاقيات شتراوس كان.».
سلسلة أدلة
كان التورط المزعوم لشتراوس قد طفا على سطح الأحداث للمرة الأولى عام 2011، بعد أن تعقبت أجهزة الشرطة مكالمة هاتفية لدومينيك ألدرويرلد، الذي يدير عدداً من بيوت الرذيلة في بلجيكا، حيث يعتبر هذا النشاط غير مخالف للقانون. وقالت متحدثة باسم النيابة العامة إن ألدرويرلد قد تباهى في حديث له مع متهم آخر بتزويد حفلات شتراوس كان بالساقطات..
وقد وجهت إليه تهمة تنظيم «الرذيلة الجماعية»، إلا أنه أنكر ارتكاب أي خطأ. وقد حصل 300 صحافي على موافقة لحضور جلسات محاكمة من المتوقع أن تدوم لعدة أسابيع، ربما ينجح كبار المحامين خلالها في تفادي زج شتراوس كان خلف القضبان وتغريمه، لكنها من المرجح أن تسدد ضربةً قاضية لمستقبله السياسي والمهني، سيما بعد أن فسخ عدد من الحكومات كسريلانكا مثلاً، عقود الاستفادة من الاستشارة حول السياسة الاقتصادية معه.
