بالكاد يلامس فيلم «تمبكتو»، الذي رُشح للحصول على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو عتبة الكوميديا، إلا أنه يصور المتشددين، الذين أخضعوا المدينة الموريتانية لقوانينهم المنحرفة الخاصة، ليس كونهم معتدين وحسب، بل مهرجين مثيرين للضحك، فهم يمارسون سراً كل ما يحرمونه علناً، بدءاً بكرة القدم، والتدخين، واشتهاء النساء. قوانينهم اعتباطية، ولا متناهية، ويعلن أحد المقاتلين الذي سئموا من تكرار لائحة الجرائم، التي ارتكبها على الملأ أن المحظور فعلاً يعني « كل ما هو قديم».

فنان إنساني

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، في تقرير نشر أخيراً، أنه بالنسبة لسيساكو، فإن تصوير العدو على أنه تافه يجعله عاجزاً، لكنه يعتبر على قدر مواز من الأهمية، لا سيما بالنسبة لفنان إنساني، أن يظهر العالم على حقيقته: بسوء طالعه، وغباوته، ونفاقه ربما، لكن أيضاً بتعقيداته.

وقال سيساكو في حديث هاتفي مع الصحيفة الأميركية من العاصمة الموريتانية نواكشوط: «إن تصوير المتشددين على أنهم أشرار وحسب، لا يشبهوننا مطلقاً، ويختلفون عنا تماماً، ليس بالأمر الصحيح كلياً، فالمتشدد يحمل صفات أخرى، فهو كائن هش، والهشاشة عنصر يجعل أياً كان يتحول إلى مصدر رعب»، علماً بأن تمبكتو لطالما شكلت بالنسبة للثقافة الغربية مكاناً نائياً، وغريباً من نوعه.

إلا أن الفيلم الذي عرض في أوروبا وأميركا، جرى تصوير مشاهده بترف وشاعرية واضحتين، وإشباعه بعناصر خرافية الطابع. وهو يروي قصة عائلة تعيش في خيمة في صحراء تقع على أطراف المدينة، وتنجر إلى العنف، ليس بسبب الاحتكاك المباشر مع المتشددين، بل من جراء التوترات، التي تخلفها سياسة القمع بحق الموسيقيين فتجلدهم، والفن فتدمره، والحب فتضطهده. وعلى قدر ابتعاد تمبكتو عن الغرب وتفكيره، فإنها تحمل كونه فيلم بداهةً سياسية شحذتها اعتداءات المتشددين على مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية، ومجازر «بوكو حرام» النيجيرية، أخيراً.

درس سيساكو الإخراج في روسيا، وهو يقول، إنه من المهم للشعوب المتحضرة أن تتوقف عن اعتبار ذاتها أسيرة صراع الحضارات، وأن تمضي قدماً متحدةً، ورافضةً لـ«عبثية» التشدد.

الوجه المقاوم

تصوّر أحد مشاهد «تمبكتو»، التي تعلق في الذاكرة، صبيةً يلعبون كرة القدم من دون كرة حقيقية، على أمل أن يهربوا من العدالة الحديدية للمتشددين. وقد نشأت الفكرة من الحظر، الذي فرضه متشددو تمبكتو على جميع النشاطات، التي تتراوح بين كرة القدم والغناء.

وقال سيساكو: «إنه تحريم لأمور لا يمكن حظرها، فإذا منعت أحدهم من الغناء، فإنه سيدندن الألحان في رأسه، وسيهمهم تهويدة في أذن طفله لينام. ولا يمكنك منعه من ذلك». وأشار سيساكو إلى أنه أصر على تصوير مشهد اللعب من غير كرة «ليبرز الوجه المقاوم». وقال: « لقد كان ذلك مهماً بالنسبة لي، لا بد للفن أن يحمل نظرةً تفاؤليةً».

بساطة

يبدو أن النقاد الذين شاهدوا «تمبكتو» يوافقون ماهين بونيتي، المؤسسة، والمديرة التنفيذية لمهرجان نيويورك للأفلام الأفريقية، رأيها بأن الفيلم لا يصدر أحكاماً، وأن سيساكو «يتيح للمتفرج أن يشاهد الفيلم، ويتخذ قراراته بنفسه. إنه متمايز، ويتمتع ببساطة كافية ليفهمه الجميع».