«أكثر من 37 مليون شخص قتلوا في معركة غاليبولي و8 ملايين فقدوا واعتبروا في عداد القتلى»، بهذه المعلومة فضل الممثل راسل كرو أن يختتم فيلمه «عراف المياه» الذي يعد باكورة تجاربه الإخراجية، والتي اختار فيها أن تمخر سفينته عباب الدراما التاريخية، معتمداً فيها على سيناريو أعده أندرو نايت وأندرو أناستاسيوس، خرج فيه من بلده أستراليا نحو الشرق، وتحديداً نحو «تركيا» لينبش ما تختزنه ذاكرتها حول معركة غاليبولي، عارضاً إياها في قالب ملحمة إنسانية، قادرة على هز القلب، ومهدياً إياها إلى المفقودين والمجهولين المخلدين في قلوب وذاكره عائلاتهم.
فعلى نسق ميلودراما الحرب قدم كرو «عراف المياه» الذي منحه تأشيرة الدخول لعالم الإخراج الذي طالما لمح إلى رغبته في الإبحار به بعد سنوات طويلة أمضاها في أروقة التمثيل. كرو تمكن بفيلمه هذا من نيل استحسان النقاد الذين منحوه درجات تجاوزت الـ8.
التسلح بالأمل
الفيلم الذي يلعب بطولته كرو نفسه، وتشاركه البطولة الممثلة أولغا كوريلنكو والتركي يلماز أردوغان وجاي كورتني، يأخذنا في رحلة نحو الشرق، ليحط في زمن الحرب العالمية الأولى، عبر قصة مزارع أسترالي يدعى جوشوا كونور (راسل كرو) يحترف إيجاد مواقع المياه، يسافر إلى تركيا في رحلة بحث عن أبنائه الثلاثة بعد فقدهم في معركة غاليبولي عام 1915 التي تضامنت فيها دول الحلفاء لاحتلال إسطنبول، إلا أن المحاولة تفشل وتخلف ضحايا كثر.
وخلال رحلته يواجه كونور عقبات كثيرة تتمثل في البيروقراطية البريطانية والحواجز الدبلوماسية، ويتمكن من اجتيازها ليحط في إسطنبول، ويقيم في فندق تملكه عائشة (أولغا كوريلنكو)، وهي أرملة تركية فقدت زوجها في المعركة، ورغم امتعاضها في البداية من إقامة «العدو» في فندقها، إلا أنها تتغير بعد أن تكتشف سبب قدومه إلى تركيا، وتساعده في خطواته، متسلحاً بأمل يمنحه إياه الرائد حسن (يلماز أردوغان)، الضابط العسكري التركي الذي كان مشرفاً على المعركة، حيث يتعاطف معه بعد أن يعرف قصته، ليكتشف كونور في نهاية الفيلم أن ابنه الأكبر لايزال على قيد الحياة، وهي النهاية التي يقلب فيها كرو مسار الفيلم بالكامل، لاسيما وأنه يؤكد أكثر من مرة عبر «الفلاش باك» موت الأبناء.
بئر من الرمزية
الصحافة الغربية حملت بين قراءتها للفيلم آراء كثيرة، منحت في مجملها كرو شهادة الإخراج بتفوق، فمثلاً وصفت ميغان ليمان من هوليوود ريبورتر، كرو في الفيلم بأنه «بئر من الرمزية، والتعاطف الثقافي في رواية القصص القديمة الجديدة»، أما فرانك هاثيرلي من سكرين إنترناشيونال، فقال إن «الفيلم مغامرة صلبة تتضمن بعض الكوميديا والاهتمام بالحب، ويحمل لمسة من إنديانا جونز وبعضاً من لورانس العرب»، ووصف لوكا بكماستر من صحيفة الغارديان الفيلم بأنه عبارة عن «ميلودراما الحرب المضيئة بالألوان الجميلة وأشعة الشمس»، وقال ستيفن رومي من صحيفة أستراليان، بأن «كرو قدم جانباً آخر من قصة غاليبولي».
فكر استشراقي
رغم أن راسل كرو في فيلمه أبرز طبيعة تركيا الخلابة وغناها الثقافي، إلا أن ذلك لم يحميه من الوقوع في فخ الانسياق وراء الفكر الاستشراقي حول عالم الشرق «الساحر» الذي تجلى في مشاهد كثيرة، منها سؤاله المتكرر لأبنائه عن الكلمة السرية التي تجعل البساط السحري يطير، وحمله الدائم لكتاب «ألف ليلة وليلة»، إضافة إلى مشاهد الرقص الشعبي في الفندق، في حين نجح كرو في الابتعاد عن تقديم المرأة الشرقية في قالب الضحية، على خلاف ما اعتادت عليه الأفلام الغربية.
