ما إن تلتقي الفنان المصري محمد ثروت، حتى تجد نفسك تحلق في فضاءات واسعة، تأخذك ما بين براءة الطفولة وكبرياء الوطنية ورِقَّة العاطفة وسماحة الدين، ليمر أمامك شريط ذكريات مملوء عن آخره بأجمل الأغنيات، تغازلك فيه «حبيبة بابا رشا»، ويأخذك «جدو علي» معه إلى مزرعته الخضراء، وتنطلق مشاعرك مخاطبة الآخر «حاسب على قلبي»، لتلقيك - في نهاية المطاف - في أحضان الوطن، فتصافحه بباقات ورد غنائية عطرة.

ورغم أن الحوار مع محمد ثروت يعد رحلة شيقة، إلا أن هذه الرحلة لا تخلو من المطبات الهوائية، التي تُشعرك أحياناً بالتفاؤل بمستقبل الفن، والقلق عليه بين حين وآخر.

«البيان» التقت محمد ثروت أثناء مشاركته كعضو لجنة تحكيم في برنامج «منشد الشارقة»، في حوار اعترف فيه أن الفن موقف سياسي، وأن لا حياد في الحق، وأن الخيارات التي تناسبه اليوم قليلة، مؤكداً أن الطفل ليس له وجود في ذاكرة العالم العربي، وموجهاً تساؤلات كثيرة للإعلام، وإلى نص الحوار..

رسالة الفن

يردد الفنانون دائماً عبارة «الفن رسالة»، هل لا تزال رسالة الفن موجودة في يومنا هذا؟

نحن الآن في قلب الرسالة، فبرنامج مثل «منشد الشارقة» يحمل رسالة هادفة، وبالنسبة لي، فأنا أُسأل عما أنا فيه كوني لست مسؤولاً عن أي شيء آخر، ووجودي وممارساتي في مكان وبرنامج كهذا، تعني أنني لا أزال أسير في الخط الذي رسمته لنفسي، وهو الخط الفني الجميل، الذي يُسعد الناس ولا يعاني من أي سلبيات.

خيارات محدودة

ولكنك اليوم مُقلٌّ في أعمالك.

الخيارات المتاحة في هذا الوقت، والتي تناسبني، قليلة بعض الشيء.

ما الذي تبحث عنه بالضبط؟

أبحث دائماً عما أُسعد به الناس، وما يحمل قيماً وخلقاً ومبادئ أفخر بتقديمها، بكل ما فيها من محافظة على التراث الأصيل، ما يترك - بالتالي- في ذاكرة الإنسانية أثراً طيباً إيجابياً.

روبي أيضاً أسعدت شريحة من الجمهور بما قدمت، ما تعليقك؟

ليس لدي أدنى فكرة عنها.

صنايعي

أين مساحة الفن الراقي اليوم في قنواتنا وإذاعاتنا؟

هذا السؤال يجب توجيهه للمسؤولين عن الإعلام، أما أنا فـ «رجل صنايعي»، أشتغل فني وأقدمه للإعلام، ويتحمل هو مسؤولية المساحة التي يفردها له.

تقصد أن ليس هناك دعم للفن الراقي.

لا أستطيع أن أقول ذلك.

قدمت أغنيات كثيرة للأطفال، وهذا يجعلك تتابع ما يُقدم اليوم له، فما رأيك به؟

غنيت للأطفال، ولا تزال أغنياتي تلك تعيش حتى اليوم، ويذكرها ويرددها الكثيرون، رغم أن عمرها تعدى الـ 25 سنة، ولكني أرى أن الطفل اليوم ليس في ذاكرة العالم العربي، وهذه مشكلة حقيقية يجب مناقشتها مع الإعلام، وهنا أتساءل «أين مساحة الطفل في العالم العربي؟»، وبرأيي أن إجابة هذا السؤال موجودة لدى إعلامنا.

صوت الحق

هل صوت الفنان مسموع اليوم في ظل الصراعات السياسية؟

لو لم يكن صوتي كفنان مسموعاً، لما كنا أجرينا هذا الحوار، والفن في حد ذاته موقف سياسي، يشحذ همة الأمة ويدفعها ويحفزها، وقد أحدثت أغنيات كثيرة ضجة سياسية وثقافية وفنية واجتماعية، بما فيها من تعبير عما يختزل في الروح، وهذا التعبير هو كلمة الفنان وصوته، وعن طريقه يتكلم في الحق ولا يكون محايداً.

تشارك كعضو لجنة تحكيم في برنامج «منشد الشارقة»، ماذا يمثل لك ذلك؟

سعيد جداً بهذه المشاركة، فالشارقة، إلى جانب كونها عاصمة الثقافة الإسلامية، فهي تهتم أيضاً بفن من الفنون العربية الأصيلة، وهو الإنشاد، وأنا فخور بوجودي في برنامج كهذا، وأتمنى أن نخرج للعالم بأصوات جميلة، تحقق الهدف من البرنامج.

تعددت برامج المواهب وتنوعت في كافة أشكال الفنون، هل ساهمت برأيك في الارتقاء بالفن؟

لا أعرف البرامج الأخرى، ولكن بالنسبة لـ «منشد الشارقة»، فهو يضيف الكثير للفن.

انطباعات وانفعالات

الحديث مع الفنان محمد ثروت يثير في النفس انطباعات كثيرة وانفعالات عميقة، ففي داخله يحمل هم الفن، والنبرة التي تصدر عنه حين التطرق للحديث عن الفن الراقي، يشوبها بعض القلق والحزن..

كما أن مشاركته في برنامج «منشد الشارقة»، أعادت له بعض الأمل في إعادة البريق للفن الهادف والراقي، لا سيما أن حضوره في البرنامج أضفى الكثير للمشاركين، وعزز قيمة هذا الفن الذي يرتقي بالإنسانية والروحانية.