تعرضت عمدة باريس آن هيدالغو لهزيمة، أخيراً، بعد ثمانية شهور فقط على انتخابها. وكانت قد أعلنت أنه حان الوقت للعاصمة الفرنسية، ذات الأبنية المنخفضة، بعيداً عن برج إيفل وبعض مشاهد السبعينيات التي تعرضت للنقد، وهي المدينة التي تعيش حالة حب وكراهية للأبنية الشاهقة، أن تشمخ ببنيانها عالياً بين المدن. وإلا فإنها تتعرض لأن تتخطاها عواصم الدول الأخرى عمرانياً واقتصادياً.

وأفادت صحيفة «إندبندنت» البريطانية في تقرير نشرته، أخيراً، أنه في خطوة غير تقليدية، توحد الموالون لحزب اليمين، كما حزب الخضر، والمتحزبون اليساريون المتشددون في مدينة باريس، وتكتلوا في ائتلاف رافض لمخطط عمراني يقضي ببناء البرج المثلث، وهو هرم مميز من الزجاج والحديد بارتفاع 180 متراً، عند الجهة الجنوبية من المدينة.

بناء البرج

وأوضحت هيدالغو أن عملية التصويت بحكم اللاغية، مصرةً على المضي قدماً في مسيرة بناء البرج. ويتم تطوير خطط لتشييد ثلاثة أبراج أصغر حجماً على التخوم الشرقية والشمالية لباريس، في خطوة عمرانية شاهقة أولى تشهدها العاصمة الفرنسية منذ 40 عاماً. وقد غدت أصوات المعارضة مخنوقة نوعاً ما، إلا أن لهبها لايزال متصاعداً.

وصرح المعماري جاك روجري، أخيراً بقوله: «هناك خطر في أن تصبح باريس مدينة من رحاب التاريخ، وكأنها قطعة في متحف، لا تطلعات مستقبلية لها ولا أفق محدداً». وأثنى المعماري جان نوفيل، الحائز جوائز في الإبداع الهندسي على البرج المثلث، وهو من تصميم المعماريين السويسريين، جاك هيرزوغ، وبيار دو بورون، ووصفه بأنه «إحدى المنحوتات المعمارية المذهلة التي رآها على امتداد عصور. لاتزال فرنسا مهووسة بعدم إبراز الفن المعماري الحديث، ما يشكل عائقاً أمام تلك الأبراج التي ينبغي أن تكون مصدر تباهٍ ولفت أنظار».

وعلى الجانب الآخر للقضية، اعتبرت ناتالي كوسكيسكو موريزيت التي تتزعم مجلس المستشارين الوسطي اليميني، أن البرج سيشكل منظراً لا يتماشى مع الأسلوب المعماري لباريس الذي يعود إلى أواسط القرن التاسع عشر.

 وتشتكي كذلك من أن المدينة تعيش تخمةً في المساحات المكتبية، لاسيما أن ما يقارب 90 في المئة من الأمتار الثمانين ألفاً للبرج المقرر بناؤه، ستكون مخصصة للمكاتب. إلا أن هيدالغو، كما سلفها العمدة السابق لمدينة باريس، برتنار ديلانوي، تزعم أنه لا يمكن لفرنسا أن تخسر الفرص الوظيفية، وضرائب الأعمال التي سيعود بها بناء هذا البرج على باريس.

وتعتبر غالبية المساحات في الأبنية الجديدة غير مناسبة لتكون مكاتب مجهزة بمعدات تقنية متطورة. وتعمد كبرى الشركات إلى نقل مكاتبها إلى خارج المباني الشاهقة الحديثة التي تم بناؤها خارج العاصمة باريس، على امتداد السنوات الأربعين الماضية، في مناطق مثل «لا ديفنس» التي تشكل مركز أعمال متخصص على بُعد ميلين فقط غرب تخوم المدينة.

تسجيل نقاط

وفي ردٍّ لها على الأصوات المعارضة، أوضحت هيدالغو وجهة نظرها، أخيراً، بلهجة قاسية، قائلةً: «نحن البلد الوحيد في العالم الذي يرفض استثماراً بقيمة 500 مليون يورو، لمجرد تسجيل نقاط سياسية معينة». وتزعم هيدالغو وسواها من المعنيين ألا رغبة لديهم مطلقاً بتحويل قلب باريس إلى مكان يشبه مانهاتن الأميركية أو شنغهاي الصينية، إلا أنهم يبغون تحديد بعض معالم القرن الواحد والعشرين معمارياً من خلال إنشاء بعض المعالم الهندسية الحديثة على أطراف المدينة.

سيتخذ البرج الجديد شكل المثلث، وتوحي التصاميم الأولى للمشروع بأنه أشبه بهرم من زجاج، علماً أنه لم يتم الإعلان عن عدد الطبقات التي سيتألف منها المبنى، لكنه سيتسع بالتأكيد لمئات بل ألوف المكاتب، وسيمثّل نقطة جذب لكبريات الشركات العالمية. ويعترف مصمماه، المعماريان السويسريان اللذان قاما بتصميم استاد الألعاب الأولمبية الذي افتتح في بكين، بأن التصاميم المعاصرة تُفاجئ «سكان أجمل المدن في العالم وأبناءها»، وهي عادة مدن تحافظ على تراث معماري واحد.